لماذا يعشق الناس طفولتهم؟ لماذا يتشبثون بذلك الوجه المضاء بفرح يبدو أحيانا مثل قناع زائف؟ أهو فرح أصيل، أم زينة عابرة للحظات البراءة السريعة؟
سألت هذا السؤال، فأجابني كاتب فذ: «لأنه وجه خفيف.. بلا حمولات أثقال الحياة».
تأملت جوابه، أجل.. خفيف، كما لو أن الروح وقتها كانت تمشي على أطراف أصابعها، لا على أقدام تنغرس في طين الأيام، ومع ذلك، خطر لي أن ذلك الفرح ربما لم يكن إلا قوس قزح يرسمه الخيال على سماء لم تمطر بعد.
لكن.. يا لثقل العبارة!
ماذا فعلت بنا الحياة؟ أية يد جلادة هذه التي وضعت أكياس الزمن فوق قلوبنا؟ كيف تحولت ملامحنا إلى خرائط تعب، تتقاطع فيها الطرقات الضيقة بين الشهيق والزفير؟
أتذكر آلاف المرات التي قال فيها أبي: «لا»، كنت أرى حينها الصرامة فقط، القوانين التي لا تتبدل، والاتفاق السري بينه وبين أمي على أن الكلمة إذا قيلت من أحدهما، فهي حائط لا ينقضه الآخر، «لا» كانت حارسا ثقيلا يقف في باب كل نزق طفولي.
كبرت، وكبرت دائرة «اللا»، فصرت أحملها معي كظل طويل، ضاق فضاء الفرح، أو ربما ضاق هامش اختياراته، تحولت «لا» من حماية أبوية إلى جدران ترسم حدود عالمي؛ اختيار الصديقات، مظهري عند الخروج، طريقة كلامي وارتفاع نبرتي أو انخفاضها، جلستي أمام الكبار، وحتى الصمت كان له قواعده.
لم أكن أدرك وقتها أن تلك المواقف المباشرة وغير المباشرة كانت مثل المظلة التي تحجب عني أولى قطرات ما بعد العاصفة، لكن المظلات لا تعمر إلى الأبد.
مرت الأعوام، وغادرت الطفولة أجسادنا كما يغادر طائر نافذته الأخيرة بلا عودة، تحول أطفال الأمس إلى كبار يحملون أحمالا فوق أكتافهم، والفائض من تلك الأحمال استقر على وجوههم كوشم صامت، وصار الحنين إلى الطفولة أشبه بارتشاف ماء من بئر بعيدة معطلة.. نعرف أن الطريق إليها طويل، لكننا نعود إليها كلما اشتد العطش.
⚪ومضة..
أبي.. أمي..
«لا» الحماية التي كنتم تظنونها حاجزا ضد أثقال الحياة، لم تفلح إلا في تأجيلها، لقد لحقت بي، تماما كما تلحق الظلال بأصحابها حين تميل الشمس.
مقالات سابقة للكاتب