اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم

قال الله تعالى:﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (سورة الإسراء: 16)

أحبتي..

من فطرة البشر حبهم لأبنائهم والسعي لراحتهم، خاصة عند البعد عنهم أو في أوقات الشدة، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين سُئل: أي أبنائك أحب إليك؟  قال: الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود.

حبنا لأبنائنا حب فطري لا غبار عليه، لكنه إن خلا من الحكمة والعقل تحول إلى دلال مفرط يفسد أكثر مما يصلح…

لقد علّمنا من سبقونا من ذوي الألباب أن الحياة ليست طريقًا معبّدًا بالزهور، وأن قسوة الأيام أمر محتمل بل وراجح، لذا تحتاج النفوس إلى الصلابة والقلوب إلى القوة حتى لا تنهار أمام أول عاصفة. فالترف المبالغ فيه، وإن بدا نعمة، قد يحمل في طياته ضررًا عظيمًا، إذ يضعف العزيمة ويجعل الإنسان أسيرًا للرغبات، عاجزًا عن مواجهة الحرمان أو الشدائد رخوا فيه من الجبن أكثر من الإقدام ويركن إلى النعومة والترف.

ومن أبلغ ما قيل في هذا المعنى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (اِخْشَوْشِنُوا فَإِنَّ النِّعَمَ لَا تَدُوم)، هذه العبارة هي خلاصة تجربة، وحكمة تُلخّص دروس الزمان. فالاعتياد الاعتياد على الرفاهية يجعل الإنسان هشًّا أمام تقلبات الزمن، فإذا تبدلت الأحوال عاش في حسرة وضيق وربما انهار جسديًا ونفسيًا..

أيها الآباء والأمهات..

من صور الدلال المفسد، أن بعض الآباء يتغاضون عن إيقاظ أبنائهم للصلاة، وخاصة الفجر، بحجة راحتهم أو خوف إزعاجهم. ولو وقع – لا قدر الله – حريق في المنزل، لأيقظوهم عنوة لإنقاذ حياتهم، فكيف نحرص على إنقاذهم من خطر دنيوي ونتركهم ينامون عن صلتهم بربهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة؟ إن تعويد الأبناء على الالتزام بالصلاة منذ الصغر يربي ويغرس في قلوبهم أن طاعة الله فوق راحة الجسد.

ربّوا أبناءكم على شيء من البساطة، ودرّبوهم على الصبر وتحمل المسؤولية، ليقدّروا النعمة ويشكروا القليل قبل الكثير. تربية كهذه تصنع نفوسًا راضية قوية، تسعد بما قسم الله وتواجه أقداره بثبات.

وأقول عن تجربة: كنت أرى صرامة والدي – رحمه الله – في طفولتي قسوة، لكنني أدركت حين كبرت أنها كانت دروس حياة، صنعت منا رجالًا قادرين على مواجهة قسوة الدنيا بلا انحناء ولا استسلام.

أحبتي..

صدقا وبدون أي تضخيم إن أعظم ما تهدونه لأبنائكم ليس المال ولا المتاع، بل قلب قوي، ونفس صابرة، وروح قانعة تعرف أن النعم قد تزول، وأن السعادة الحقيقية في الثبات على الحق والرضا بقضاء الله.

بارك الله في أبنائنا، وجعلهم قرة أعين لنا في الدنيا والآخرة.

د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش

دكتوراة في المصرفية الإسلامية والتمويل – باحث ومفكر إسلامي

كوالالمبور 02-ربيع الأول – 1447هـ

مقالات سابقة للكاتب

تعليق واحد على “اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم

بدر

مقال جميل بارك الله فيك وفي صحتك ي دكتور طلال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *