نشرتُ مؤخرًا مقطعًا للشيخ عوني القدومي وهو يتحدّث عن السيرة النبوية العطرة عبر منصة “تيك توك”، فإذا بالمقطع يلقى رواجًا واسعًا شارف المئة ألف مشاهدة. غير أنّ بعض التعليقات لم تنشغل بروح السيرة ولا بما حملته من معانٍ إيمانية تهدي القلوب، بل مالت إلى أسئلة جانبية: أهو صوفي؟ أم أشعري؟ أم غير ذلك؟ وكان جوابي لهم كلمة تختصر الطريق كله: مسلم.
إن أسمى تعريفٍ للإنسان هو الإسلام؛ تلك الكلمة الجامعة التي تهدم جدران التصنيف، وتبني جسور الأخوة. المسلم لا يُعرف بالانتماءات الضيقة، بل يُعرف بما عقده قلبه ولسانه من شهادة التوحيد، التي تؤلّف بين القلوب وتوحّد الصفوف.
لقد نهانا الشرع الشريف عن التطفّل على السرائر، فلم يجعلنا قضاةً على القلوب ولا أوصياء على النيات، وإنما أوكل ذلك إلى الله وحده، القائل: ﴿إِنْ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: 25-26].
ومن أعظم الدروس النبوية التي تبيّن خطورة الاستعجال في الحكم على الناس ما وقع للصحابي الجليل أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه، حين قتل رجلًا في إحدى الغزوات بعدما نطق بالشهادة. فعن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه قال: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحُرَقَةِ فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ عَلَى مِيَاهِهِمْ… فَلَحِقْتُ رَجُلًا فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَطَعَنْتُهُ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا قَالَهَا تَعَوُّذًا. فَقَالَ: (أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟!) قال أُسَامَةُ: (فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ.) رواه مسلم (96).
وجاء في حديث آخر صحيح: أن النبي ﷺ قال: (إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ) متفق عليه: البخاري (4351) ومسلم (1064).، فهذه القاعدة النبوية الخالدة تُرسّخ أن الحكم في الدنيا على الظاهر، وأما النيات والسرائر فإلى الله الذي يعلم ما في الصدور: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19].
إن وظيفة المسلم إذن ليست في المحاكمة ولا في التصنيف، وإنما في إقامة شعائر الدين، وأداء النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، مع الرحمة التي تفتح القلوب، لا مع الغلظة التي تنفّرها.
إن الانشغال بمثل هذه التساؤلات الضيقة لا يخدم جوهر الدين، بل يضعف وحدة الأمة ويغذي خلافًا لا يستفيد منه إلا الأعداء. وقد شرفنا الله باسم جامع فقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج: 78].
فلنحفظ لهذا الاسم قدره، ولنترك الحساب لمن بيده الحساب، جل جلاله، ولنجعل كلمة النبي ﷺ لأسامة: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟» تذكرة لنا في كل حين، حتى لا نظلم أحدًا ولا نتعدّى على ما استأثر الله بعلمه.
كتبه الفقير إلى ربه: د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش
دكتوراة في المصرفية الإسلامية والتمويل – باحث ومفكر إسلامي
كوالالمبور 03-ربيع الثاني – 1447هـ
مقالات سابقة للكاتب