غيث القلوب

حين نذكر الماء، قد يخطر ببالنا نهر جارٍ، أو أمواج متلاطمة في بحار هادرة ومحيطات عاتية، أو قطرة ندى على ورقة يانعة.

بينما هو مرآة الحياة وسرّ استمرارها، ولغزٌ يتجاوز حدود المادة إلى فضاء الروح والفكر، ليس مجرد عنصر كيميائي مكوّن من ذرتي هيدروجين وذرة أوكسجين، بل لغة الوجود وروح الطبيعة، وذاكرة الأرض التي تحفظ صرخات الأنهار، وأناشيد المطر، وهمس المحيطات.

الماء يعلّمنا أن الزمن ليس إلا مجرى يتدفق بلا عودة، لا يختار مكانه، بل ينحدر إلى حيث السبيل، متجسدًا في حكمة الانسياب، يتكيّف مع الوعاء، يملأ الفراغات، يسكن الشقوق، كأنه يُلقّن درسًا في المرونة والتواضع، وفي الوقت ذاته، يملك قوة هائلة قادرة على نحت الصخور وشقّ الجبال، ليقول لنا إن اللين لا يناقض القوة، بل هو أصلها العميق.

وإن عبر، أو ذاب، أو تبخر، أو تجمد، أو تكاثف، أو هطل أو جرى فإنه لن يعود إلى منبعه، كما المطر لا يستعيد غيمته، لندرك أن الحياة عطاء دائم، وأن ما ينقطع في مكان قد يعود في مكان آخر.

العلاقة بين الماء والإنسان علاقة وجدانية عميقة، صفاؤه يعكس صفاء النفس، وعكره يذكّر باضطرابها، ليس عبثًا أن يربط الأدباء بين دموع العين وجريان النهر، كلاهما لغة الروح حين تعجز الكلمات.

ومن جميل حالاته أنه الوصل بين الأرض والسماء، ينساب حيث يجد منفذًا، يتكيّف مع الأوعية والأشكال، لكنه يحتفظ بجوهره أينما حلّ.

وهذا الدرس في الانسياب والقدرة على البقاء يرافقنا أيضًا في أروقة المستشفيات، حيث تتقاطع أنفاس المرضى مع أصوات الأجهزة.

هناك، في غرف العناية المشددة، يتحدث الجسد بلغة مختلفة، نبضٌ تُترجمه شاشة، وتنفسٌ يتكفّل به جهاز، وعيونٌ نصف مغلقة تبحث عن الضوء.

كل إشارة تصدرها آلة هناك ليست مجرد رقم، بل ترجمة لصراع مع الأمل، ولتصبح الحياة ذاتها كالماء، نعمة خفية، وممرًّا بين الرجاء واليأس.

غرف العناية المشددة ليست مأوى للمرضى وحدهم، بل امتحانٌ صادق لمن يقفون خلف الزجاج الفاصل، أولئك الذين يحملون نفوسًا متعبة وألسنًا تلهج بالدعاء.في تلك الأمكنة يتعلّم الإنسان أن العافية ليست أمرًا عابرًا، بل نعمة تستحق الحمد مع كل إشراقة صباح، وإن بدت ثقيلة على القلب، تظل نافذة أمل.

وكما أن الأجساد لا تستغني عن الماء ولا الدواء، فإن الوجدان لا يحيا بلا مشاعر، فالشكر والامتنان والتقدير هو الزلال العذب الذي يحفظ النفوس من الذبول، ويجعلها أكثر نقاءً وصفاءً.وحين تغيب تلك الكلمات (شكرًا، أحسنت، لا خلا ولا عدم، أقدر لك ذلك، ممتن لموقفك، جزاك الله خيرًا، أتعبت من بعدك…)، يظهر الجدب العاطفي كما يظهر القحط حين يُحبس المطر.

الكلمة إمّا أن تكون وردًا يبهج الأرواح، ويُنعش المجالس بالمودة، وإمّا أن تكون رصاصًا يجرح فيترك ندوبًا لا تمحى.

وكثيرًا ما نقول في خواطرنا (يا ليته سكت!)، فالصمت في موضعه أكرم من كلمة جارحة، لتبقى الكلمة الطيبة هبة مجانية، تملك قوة تبعث الحياة في النفوس.

الحرمان من المشاعر، فقد للوصال مع الآخرين وسلب لحقوقهم في الكلمة الطيبة واللمسة الحانية والاعتراف بالفضل، إنه جفاف داخلي يطفئ مصابيح المودة ويجعل العيش بارداً خالياً من البركة.هناك سلوكيات لا تُقاس بالذهب وغير قابلة لأن تكون من عروض التجارة، فالمشاعر تُؤلّف القلوب وتبني المجتمعات.

أقسى صور الحرمان من المشاعر حالُ من يملك بستانًا واسعًا، يزهو بالأشجار ويُفيض بالثمار، لكنه يبخل عليه بالماء، حتى تذبل أغصانه وتخور ثماره أمام عينيه.

وكذلك هو الإنسان حين يحبس عاطفته، يُسدى له الخير والمعروف فيبخل بالكلمة الطيبة، يشعر بالحب فلا يبادله، يعرف الفضل فلا يشكر أهله، فيذبل من حوله كما تذبل الأشجار العطشى في البستان المهجور.

سيختلّ التوازن الإنساني، ويضطرب ميزان العلاقات البشرية، إن استمر فقداننا لقول الشكر والتقدير والاحترام والعرفان، فهي ليست كلمات عابرة، بل سلوك عملي يتجلّى في تفاصيل حياتنا (دعاءٌ للوالدين، وتقديرٌ للشريك، وابتسامة امتنان لعامل، واعتراف بفضل صديق..)، ومتى تكرّر صار عادة تُجمّل العلاقات وتُزهر بها النفوس، وإن اقترن بالنية صار عبادة تُقرّب العبد من ربه.

غياب المشاعر غربةٌ بين الأحبة، وطريقٌ مظلم يقود إلى نهايات مفجعة، فالنفوس تُروَّض بالشكر وتزهو بإظهار الود، فهي ليست كماليات، بل من ضروريات الحياة.

فلتكن كلماتك عطاءً، ومشاعرك جسرًا للوصل، وشكرك عادةً وعبادة، وتذكّر أن خسارة البشر لا تعويض لها.

انظر من حولك وتمسّك بهم، فالبشر لا يعوّضهم إلا الذكرى والحنين، فبادر بالكلمة الطيبة والامتنان الصادق، قبل أن تتحوّل إلى أمانٍ معلّقة على أطلال الغياب.

وحتى يستمر العطاء… ويغدو سلوكًا يمتد مع الأجيال… أحيوا وجدانكم بالشكر، فكما تحيا الأشياء بالماء، فإن العلاقات تنمو بالامتنان والثناء.

فبالشكر يُسقى الوجدان، وتترسخ المودّة، وتُبارك الاوقات، ليبقى الإنسان حاضرًا في قلوب من يحب، حاضرًا بالعطاء والذكرى، فما المشاعر إلا شمعة، إن أُشعلت أنارت دروب الحياة، وإن أُطفئت تاهت الخطى، وتعطّلت لغة الكلام، وغابت عن الأفق أجمل الأيام.

عبدالله عمر باوشخه

مقالات سابقة للكاتب

4 تعليق على “غيث القلوب

الكاتب علي محمد قاسم

شكرا ايها الكاتب الاديب على هذا المقال النفيس في معانيه، والجميل في تعبيره.
ولا شك ان الناس في مجتمعنا يعانون من أزمات في علاقاتهم مع بعضهم بعضا.
ملاحظة
جملة (وان بدت ثقيلة على القلب تظل نافذة أمل)
الضمير في بدت عائد على ماذا؟!
مع خالص تحياتي

BAKHSH, TALAL ABDULLAH H.

أحسنت يا دكتور أحسن الله إليك.
الكلمة الطيبة صدقة ، ومن لا يشكر الناس لا يشكره الله أو لا يشكر الله.
كثيرون يرون أن في كلمات الثناء المقدمة للغير انتقاص لهم ن بينما هي في الحقيقة رفعة لهم وتبيان على سمو خلقهم ورفعتهم .
سلمت ودمت بخير، وشكرا لك على هذا المقال الرائع.

محمد عبدالكافي

جزاكم الله خيرا يا دكتور .مقال رائع فعلا الكلمة الطيبة صدقة

غير معروف

ما شاء الله، انتقاء الكلمات فيه عمق وبلاغة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *