مسافة العافية

بين الجسد الذي شُفي، والنفس التي ما زالت تتعافى..

في المستشفى، تتردد عبارة «الحمد لله على السلامة» عشرات المرات يوميًا.
قد تبدو بسيطة وعابرة، لكنها في الحقيقة ختام رحلة، وبداية أخرى.

تتردد هذه الكلمات بين الممرات: من طبيب لمريض، من ممرضة لأم تبكي، من زميل لآخر أنهكه اليوم.
لكنها تأخذ معنى أعمق حين تُسمع من زاوية الأخصائية الاجتماعية، التي ترافق المرضى وعائلاتهم خلال لحظات ضعفهم وخوفهم.

عملي يضعني في صميم التجربة الإنسانية بعد أن تهدأ العاصفة الجسدية.
حين يبدأ الجسد بالتعافي، تنفتح رحلة مواجهة النفس الداخلية.
فالمرض لا يترك أثرًا جسديًا فحسب، بل يمتد ليشكل بصماته على الحالة النفسية والعاطفية، شعورًا بالقلق الكامن، اضطرابًا في التوازن النفسي، شعورًا بالضعف أو العجز، وأحيانًا صراعًا مع مشاعر الذنب أو الفقد.

هنا يبدأ دوري: لا لأكتب تقريرًا، بل لأُصغي.
أدخل الغرفة فلا أبحث عن الأعراض، بل عن القصة.
أسأل بهدوء: «كيف كان يومك؟»
فيتدفق الحديث شيئًا فشيئًا: عن ليالٍ بلا نوم، عن قلق الأطفال، عن تعب الزوجة، عن خوف الأب من أن يكون عبئًا.

أحيانًا لا يحتاج المريض إلى إجابة، بل إلى مساحة يُسمع فيها دون مقاطعة، إلى وجهٍ يُقرّه، وإلى نظرة تُخبره أنه ما زال إنسانًا له الحق في الضعف.

مع كل حالة، أتعلم أن «الحمد لله على السلامة» ليست نهاية القصة، بل فصلها الأصعب.
حين يغادر المريض سريره، يعود إلى حياة تغيرت: وظيفة تنتظره، أطفال اعتادوا غيابه، قلق من الانتكاسة، وإرهاق نفسي لا يُرى.

لهذا أعمل مع الأهل بقدر ما أعمل مع المريض.
أشرح لهم أن الشفاء لا يعني عودة كل شيء كما كان، وأن المريض يحتاج إلى دعم صبور لا استعجال، وتفهّمًا لا محاسبة.
في جلساتي معهم، أسمع كثيرًا من الخوف المقنّع بالشجاعة.
الأم تقول: «ما أبيه يحس إني ضعفت»، الأب يخفي قلقه خلف أسئلة متكررة، والزوجة تبتسم وهي تمسح دمعة سريعًا كي لا تقلق أحدًا.

هناك مشاعر لا تُقال، لكنها تثقل المكان.
وأنا أحاول أن أُسمّيها، أن أضعها على الطاولة كي لا تبقى وجعًا صامتًا.
الإصغاء هنا يصبح نوعًا من العناية، والحديث الصادق عن الألم أول خطوة نحو التعافي.
أحيانًا لا يكون دوري أن أقدّم حلولًا، بل أن أُرافق، أن أكون شاهدة على إنسان يُعيد بناء نفسه بعد الخوف.

حين يُقال «الحمد لله على السلامة» أخيرًا، أسمعها بمعنى أعمق.
أعرف كم كلفت هذه السلامة من ليل طويل، دعاء، دموع، وصبر.
أراها في يد تمسك بأخرى بخفة، في ابتسامة بعد وجع، وفي نظرة امتنان تقول أكثر مما يُقال.

وحين أخرج من غرف المرضى، أحمل في قلبي قصصهم.
أتعلم منهم أن الإنسان لا يُقاس بقوته وقت الصحة، بل بقدرته على النهوض بعد العثرة.
وأن دورنا كأخصائيين اجتماعيين ليس أن نُخفي الألم، بل أن نمنحه لغة وأمانًا كي يُقال.

«الحمد لله على السلامة» لم تعد مجرد تهنئة، بل رمز لاستمرار الحياة رغم التعب، وذكرى أن العافية تُبنى يومًا بيوم، حديثًا بحديث، دعمًا بدعم.

في المستشفى، السلامة الحقيقية ليست فقط في العودة إلى المنزل، بل في عودة النفس مطمئنة، وعودة الأهل أقرب، واستمرار الرحمة لغة بيننا.

وعندما يعود المريض إلى بيته، لا تنتهي القصة؛ هناك من يعود بجسد سليم ونفس مثقلة، ولهؤلاء نمدّ الجسور، نتابع، نسأل، ونذكّر بأن العافية شاملة، وأن الحياة بعد المرض تستحق أن تُعاش بسلام داخلي لا بقلق مؤجل.

إنها مهنة تمس جوهر الإنسان، تذكرنا كل يوم أن ما نقوم به ليس مجرد مساعدة، بل مشاركة في رحلة العودة إلى الحياة.
فحين ينجو الجسد وتبقى النفس في رحلة التعافي، يكون وجودنا امتدادًا للطب، وجسرًا بين الألم والأمل.

مقالات سابقة للكاتب

3 تعليق على “مسافة العافية

استشهاد الشامي

مقال جميل ورائع .. كلمات صادقة ومشاعر جياشة ..
نتمنى أن نقرأ مثل هذه المقالات في زمن شحّ فيه الحبر الهادف والسطور البنّاءه .. بارك الله أناملكم .. 🤍

اخصائي نفسي/محمد خواجه

الإبداع من المختصين في مجال العلاج الطبيعي او النفسي او الاجتماعي هو الدور الأساسي يأتي في المرتبة الثانية مباشرة بعد إجراء العمليات او بعد أخذ العلاجات. هنيأ لمثل هذه الأخت الفاضلة في ما أبدعت به في المقال الرائع واختم تعليقي هذا بأن نحتسب فيما نقدم فيما عند الله عز وجل وأن لا نتذمر.

المدربة منيرة التميمي

نسأل الله أن يحيي البصيرة في قلوب شباب المسلمين ويردهم إليه ردا جميلا ،وأن يعين كل مدمن على اخذ القرار في اسرع وقت للإقلاع عن الإدمان ،لأن الصحة أمانة وسنسئل عن شبابنا فيما أمضيناه وعلينا أن نستبق الحدث ونتسأل جميعا ماالأثر الذي سنتركه بعد رحيلنا عن الحياة .. نسأل الله أن يرزقنا جميعا طيب الحياة وطيب الأثر 🤲🏻🌧️🌧️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *