عن إنسانٍ لم يفقد تركيزه… بل فقد قدرته على الاحتمال
هل جلست يومًا أمام كتابٍ تحبه ثم شعرت فجأة أنه أثقل مما ينبغي؟ هل حاولت متابعة فيلمٍ جيّد لكن يدك امتدت إلى الهاتف قبل أن يكتمل المشهد؟ هل صار الصمت أقصر احتمالًا من أن يُحتمل؟ إن كان الجواب نعم فالمسألة لا تتعلّق بضعف التركيز ولا بفتور الاهتمام ولا بكسلٍ طارئ. ما يحدث أعمق من ذلك. إنه أثر زمنٍ لم يعد يحتمل البطء.
يحدث أحيانًا أن يجلس الإنسان أمام كتابٍ مألوف لا تعقيد فيه ولا ثقل ثم يفاجأ بأن الصفحات لم تعد تُحتمل.
يتسلّل ضيق غير مفهوم وتظهر رغبة غريبة في الحركة قبل أن تمتد اليد نحو الهاتف تلقائيًا كأن الصمت تحوّل إلى خطرٍ يجب الفرار منه.
في مثل هذه اللحظات لا يكون الخلل في النص ولا في الوقت ولا حتى في المزاج. الخلل أهدأ من أن يُرى وأعمق من أن يُسمّى سريعًا. إنه في قدرة العقل على الاحتمال. نحن لا نعيش زمن نقص الذكاء بل زمن تآكل الصبر.
العقل المعاصر لم يعد يحتمل الصفحة الطويلة ولا الفكرة المتدرّجة ولا الجلوس بلا إثارة. ليس لأنه عاجز بطبيعته بل لأنه تعلّم دون أن يشعر أن المتعة يجب أن تأتي فورًا أو لا تأتي. على مدى سنوات تعرّض الدماغ لتدريب متواصل.
مقاطع قصيرة صور متتابعة انتقالات سريعة وضحكات خاطفة وصدمات محسوبة.
كل ذلك يضخ جرعات متكررة من المتعة السهلة بلا جهد وبلا انتظار. ومع الوقت تغيّر ميزان الأسئلة. لم يعد العقل يسأل ما الذي يستحق؟ بل ما الذي يُشعرني الآن؟ وماذا يحدث للإنسان حين يصبح إحساسه هو بوصلته الوحيدة؟ هنا تبدأ الخسارة التي لا تظهر فورًا.
ليست خسارة الوقت وحده بل خسارة القدرة على الجلوس مع النفس دون قلق. خسارة الصبر الطويل وخسارة العمق الذي لا يولد إلا من البطء. تصبح القراءة مجهودًا ويغدو العمل عبئًا ويتحوّل التفكير إلى فعلٍ مُرهق.
لا لأن هذه الأشياء فقدت قيمتها بل لأنها لم تعد تنافس الإيقاع الذي اعتاده الدماغ. لكن استعادة التوازن لا تبدأ بالقطيعة الكاملة ولا بالهروب من التقنية بل بإعادة تعريف العلاقة معها. حين يتعلّم الإنسان أن يؤجّل المتعة ولو قليلًا يستعيد شيئًا من سيادته الداخلية.
وحين يسمح للصمت أن يطول دون أن يسارع إلى ملئه يبدأ العقل في التنفّس من جديد. الملل الذي كان يومًا مساحة للتأمل صار حالة نُسارع إلى طمسها. نملؤه بأي شيء لا لأننا نحتاج ذلك الشيء بل لأننا لم نعد نحتمل الفراغ.
مع أن الملل ليس عيبًا بل الحقيقة التي لم نعد نحتمل رؤيتها. في اللحظات التي يُترك فيها الهاتف بعيدًا لا بوصفه عقوبة بل اختيارًا وفي الأوقات التي يُعاد فيها للكتاب الورقي أو للمشي أو للجلوس الهادئ مكانٌ في اليوم تنخفض عتبة المتعة شيئًا فشيئًا وتعود الأشياء البسيطة لتؤدي دورها الطبيعي.
لا يحدث هذا التحوّل بضجيج ولا بقرار صاخب بل بتغيّرات صغيرة غير مرئية لكنها حاسمة. تصبح المهمة التي كانت ثقيلة ممكنة وتغدو الفكرة التي كانت مملة محتملة ويستعيد الإنجاز قيمته لا بوصفه جرعة متعة بل ثمرة جهد وصبر. أخطر ما في الخوارزميات أنها لا تُجبر الإنسان على شيء. هي فقط تعتاده.
تُعيد تشكيل قدرته على الاحتمال ببطء حتى يظن أن هذا هو الحد الأقصى لما يستطيع. والسؤال الحقيقي ليس عن الهاتف ولا عن التطبيقات ولا عن التقنية نفسها.
السؤال الأعمق هو هل ما زال الإنسان قادرًا أن يبقى مع فكرة واحدة حتى نهايتها؟ أن يجلس مع نفسه دون أن يبحث عن مهرب؟ أن يتحمّل الصمت دون أن يملأه بضجيجٍ مستعار؟ ربما ليست المشكلة أننا نستخدم هذه الأدوات كثيرًا بل أننا لم نعد نعرف كيف نكون بدونها. وربما أخطر ما نخسره حين نهرب من الصمت أننا نفقد القدرة على سماع أنفسنا.
حسن القحطاني
مقالات سابقة للكاتب