خليص في التاريخ المنسي (٣٦)

قراءة في الذاكرة

لم يكن مصطلح «مرافق» جديدًا في أدبيات المجتمع بمعنى المصاحب أو الملازم، لكنه اكتسب دلالة خاصة مع انتشار مدارس البنات رسميًا أوائل الستينات الميلادية، حيث اختص بالرجل الذي يرافق المرأة – المحرم – للمشاركة في السكن أو متابعة احتياجاتها.

خلال حركة التعليم الرسمي، ملأت الوافدات – الفلسطينيات والأردنيات والمصريات – الشواغر الوظيفية الناتجة عن الغياب الكامل للمرأة السعودية، التي تأخرت في صناعة حضورها. ومع تمكين المرأة لاحقًا، أصبح لها في كل ميدان قصة نجاح، لتشكل علامة فارقة في تاريخنا المعاصر وتسهم في تحقيق مستهدفات رؤية 2030.

ويروي الممثل الكويتي سعد الفرج في بودكاست «بدون ورق» طرفة عن أخوات فلسطينية دخلن الكويت، وكيف انبهر الكويتيون ببياض بشرتهن، وهو ما يعكس قبول الآخر في النسيج الاجتماعي. وقد كان الحال مماثلًا في خليص، الذي استضاف أطيافًا متنوعة من الناس دون مشكلات هوية، ما منح المجتمع نظرة إيجابية لدور المرأة وحركتها خارج نطاق الأسرة.

مع مرور الوقت ارتقت مكانة المرافق، وبرزت الوافدات المعلمات كمساهمات في نقلة حضارية في التعليم والوعي الثقافي، مؤثرات في اللباس والزينة والطعام، وأصبحن رموزًا عالقة في ذاكرة المجتمع. كما احتفظت خليص بسجلات أوليات نسائية، مثل السيدة صبحية شبير كأول مديرة مدرسة ابتدائية، والسيدة مجيدة فارس كأول مديرة توجيه.

بعض المرافقين وجدوا فرص عمل، إما بالتعاقد مع إدارة التعليم مباشرة، أو بالعمل اليومي حسب مهارتهم وشروط الحرفة، مثل غالبية المواطنين، ما جعل خليص بيئة مدنية وآمنة لكل صاحب مشروع أو مبادرة.

التوقيت كان في 11 أبريل 2011، بداية مرحلة استمرت سبع سنوات، حيث كنت أرافق ابنتي رزان المبتعثة من جامعة المؤسس لاستكمال دراستها العليا في الولايات المتحدة الأمريكية. لا يمكنني إعادة كل المنسي إلى واجهة الأحداث، ولكن نفهم أحيانًا الأشياء كما هي في الرواية المتواترة من علم الأولين: نقرأ السطر الأول ثم نكملها بقراءة اجتماعية.

 

محمد علي الشيخ

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *