صناعة الهلع”.. كيف تنجو من فخ الشائعات وقت الأزمات

تمر منطقتنا الخليجية والعربية، والعالم أجمع، بمرحلة دقيقة وحساسة تتسم بتسارع الأحداث السياسية والعسكرية، لعل أبرزها ما نتابعه اليوم من تجاذبات دولية وصراعات تدخل فيها القوى العظمى مثل الولايات المتحدة، مما يلقي بظلاله على استقرار الساحة الدولية وتوقعات المستقبل، وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية التي نعيشها في المملكة العربية السعودية ودول الجوار، يبرز دور “الفرد” ليس فقط كمتابع للأحداث، بل كخط دفاع أول عن أمن واستقرار مجتمعه الفكري والنفسي، إذ يجد المتابع اليوم نفسه وسط سيل جارف من المعلومات المتدفقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث اختلط “الحابل بالنابل” كما يقال، وأصبح كل من يملك هاتفاً ذكياً يحلل ويستنتج ويبث الأخبار، مما خلق حالة من الفوضى المعلوماتية التي تهدف في كثير من الأحيان إلى إثارة الهلع وزعزعة الطمأنينة العامة، وهنا تكمن المسؤولية الأخلاقية والوطنية للفرد في أن يكون سداً منيعاً أمام هذه الموجات الصاخبة، وذلك من خلال التمسك بالوعي والرزانة وعدم الانجراف خلف العواطف اللحظية أو الشائعات المجهولة التي تقتات على الأزمات.

إن الوعي المجتمعي يبدأ بقرار شخصي يتخذه الفرد بأن لا يكون مجرد “بوق” يردد ما يسمع، أو أداة لنشر البلبلة عبر إعادة إرسال رسائل التحذير والتحليلات العشوائية التي تفتقر للمصداقية، فالحقيقة التي يجب أن ندركها جميعاً هي أن صناعة القلق هي سلاح يستخدم في الحروب الحديثة للتأثير على الجبهات الداخلية، وبالتالي فإن وقوفنا كأفراد واعين يتطلب منا “فلترة” ما يصل إلينا من معلومات، والاعتماد بشكل كلي وحصري على المصادر الرسمية للدولة والجهات الإعلامية الموثوقة التي تمتلك الصورة الكاملة والمعلومة الدقيقة، فالمسؤول في وطنه هو الأحرص على أمنه، وهو الأقدر على تقدير الموقف وإعلان ما يجب إعلانه في الوقت المناسب، وهذا لا يعني الانغلاق، بل يعني الرقي الفكري الذي يميز بين الخبر الصادق وبين “الحملات المضللة” التي تهدف إلى إضعاف الروح المعنوية، فكلما زادت الضغوط الخارجية، تعاظمت الحاجة إلى تماسكنا الداخلي وثقتنا في قياداتنا ومؤسساتنا الرسمية التي تدير هذه الأزمات بحكمة واقتدار.

ختاماً، إننا مدعوون اليوم أكثر من أي وقت مضى لتبني منهج “التثبت” قبل النطق أو النشر، فالمجتمع القوي هو الذي يتسلح أفراده بالعقلانية والهدوء في وقت الأزمات، مدركين أن الكلمة أمانة، وأن الحفاظ على السكينة العامة جزء لا يتجزأ من حب الوطن والولاء له، فلنجعل من أنفسنا منابر للوعي، لا صدىً للضجيج، ولنضع ثقتنا في مصادرنا الرسمية التي كانت ولا تزال مرجعنا الصادق في كل منعطف تاريخي، لنعبر سوياً نحو بر الأمان بكل ثبات ومسؤولية.

محمد عمر حسين المرحبي

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *