في مركز القوز التابع لمحافظة القنفذة لم يعد ما نشاهده في شارع التحلية مجرد ازدحام مروري معتاد ولا تجمعات شبابية عابرة يمكن تجاوزها مع مرور الوقت بل أصبح مشهداْ متكرراْ يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية ويستدعي وقفة جادة تتجاوز الانزعاج اللحظي إلى محاولة الفهم العميق.
سيارات متوقفة بشكل عشوائي دراجات نارية تصدر أصواتاْ مرتفعة تجمعات شبابية يغلب على بعضها صغر السن وسلوكيات تمتد من الإزعاج إلى المخاطرة الحقيقية في الطرق العامة بل وتتجاوز ذلك إلى الطريق السريع جدة–أبها حيث تتحول المسألة من ظاهرة مزعجة إلى خطر مباشر قد يفضي لا قدر الله إلى حوادث مأساوية
هذا الوصف على دقته لا يكفي
لأن الاقتصار عليه يجعلنا نتعامل مع الصورة ونغفل السبب
السؤال الأهم الذي ينبغي أن يُطرح ليس:
لماذا يزدحم الشارع؟
بل لماذا أصبح الشارع هو الخيار الأول لهؤلاء الشباب؟
حين نطرح السؤال بهذه الطريقة تتغير زاوية النظر بالكامل.
فنحن لا نتحدث عن مخالفة مرورية فحسب بل عن سلوك اجتماعي له دوافعه وله بيئته التي أنتجته.
الشباب الذين نراهم اليوم في هذه التجمعات ليسوا في أصلهم مشكلة بل هم طاقة تبحث عن مسار.
والمشكلة الحقيقية تبدأ حين لا يجدون هذا المسار في الأماكن الصحيحة فيصنعونه بأنفسهم في الأماكن الخطأ.
الشارع بطبيعته لا يصلح أن يكون ساحة إثبات أو مساحة تفريغ
لكنه يتحول إلى ذلك حين تغيب البدائل ويضعف التوجيه وتتراجع المساحات المنظمة التي تستوعب هذه المرحلة العمرية بما فيها من اندفاع وحب للظهور.
ولهذا لا يكفي أن نراقب السلوك حين يظهر بل أن نسأل: ما الذي يدفعه للظهور أصلاْ؟ لأن السلوك الذي يجد بيئته سيستمر ولو تراجع مؤقتاْ تحت ضغط المتابعة.
في المقابل، لا يمكن إغفال الجهد الذي تبذله الجهات الأمنية في مركز القوز بدعم من شرطة محافظة القنفذة فالمتابعة موجودة والحرص واضح لكن حجم التحدي أكبر من أن يُعالج بالوسائل التقليدية وحدها.
المشكلة هنا ليست في غياب الجهد بل في طبيعة الظاهرة نفسها:
فهي ظاهرة متحركة تتغير مواقعها وأوقاتها وتستفيد من محدودية الإمكانات مقارنة باتساع النطاق الجغرافي للمراكز والقرى التابعة.
كما أن الاقتصار على الإجراءات الروتينية كطلب الرخص والاستمارات يظل مهماْ لكنه لا يلامس جوهر المشكلة لأن السلوك نفسه يتكرر حتى بعد الضبط ما دام الدافع قائماْ وهو ما يفسر لماذا تخف حدة الظاهرة أحياناْ ثم تعود للظهور من جديد.
ومن هنا، فإن التعامل مع هذه الظاهرة يحتاج إلى تحول في المنهج لا مجرد تكثيف في الجهد.
الحل لا يمكن أن يكون أحادي الاتجاه بل يجب أن يقوم على تكامل واضح بين ثلاثة مسارات رئيسية:
أولاْ: المسار الأمني (الضبط والردع)
وهذا جانب لا غنى عنه، بل هو ضرورة لحماية المجتمع.
لكن المطلوب هنا ليس الحضور فقط، بل الذكاء في الحضور:
حملات مركزة تستهدف أوقات الذروة
رصد مسبق للمركبات المعدلة والمخالفة
ضبط مصادر الإزعاج (التعديلات الصوتيةالتظليل المخالف)
تطبيق العقوبات بوضوح واستمرارية
لأن العقوبة حين تكون متقطعة تفقد أثرها وتتحول إلى مجرد إجراء عابر.
ثانيًا: المسار الاجتماعي (صناعة البديل)
وهنا تكمن الحلقة الأضعف في كثير من الحالات.
فالشباب لا يذهبون إلى الشارع عبثاْ بل لأن الخيارات الأخرى محدودة أو غير جاذبة.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح:
أين يذهب الشاب في القوز مساءً؟
ما هي المساحة التي تستوعب طاقته بشكل منظم وآمن؟
حين لا يجد إجابة فإن الشارع سيبقى الخيار الأسهل.
ولهذا فإن إنشاء بيئات شبابية جاذبة رياضية ثقافية تفاعلية ليس ترفاْ بل جزء من الحل.
ثالثاْ: المسار التربوي (دور الأسرة)
وهنا الحديث ليس عن لوم بل عن مسؤولية مشتركة.
فكثير من الأسر قد لا تدرك حجم التأثير الذي تمارسه البيئة الخارجية على الأبناء خاصة في هذه المرحلة العمرية الحساسة.
المتابعة لا تعني التضييق بل تعني:
معرفة دائرة الأصدقاء
فهم نمط الخروج وأوقاته
الحوار المستمر بدل الاكتفاء بالتوجيه المباشر
لأن الشاب إذا لم يجد من يسمعه في البيت سيبحث عمن يسمعه خارجه ولو كان ذلك في بيئة غير آمنة.
ما يحدث اليوم في القوز ليس حادثة عابرة بل رسالة.
رسالة تقول إن هناك فجوة بين طاقة الشباب وبين المسارات المتاحة لهم.
إما أن نقرأ هذه الرسالة بوعي
فنحول المشكلة إلى فرصة إصلاح
أو نتجاهلها فنستمر في التعامل مع نتائجها دون أن نقترب من أصلها.
وفي النهاية،
ليست القضية في شبابٍ اجتمعوا في شارع
بل في مجتمع لم ينجح بعد في توجيه هذا الاجتماع إلى ما هو أنفع.
الطريق لا يضيق بالسيارات
بل يضيق حين يغيب الفهم.
محمد عمر حسين المرحبي
مقالات سابقة للكاتب