الحمد لله الذي جعل الحق بيّناْ وجعل للباطل وجوهاْ تتكاثر ولا تثبت والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ الذي أقام ميزان العدل فلم يساوِ بين الحق والباطل ولا بين الصواب والخطأ.
في زمن مضى كان الناس يختلفون لكنهم يتفقون على أن هناك حقاْ يُطلب وخطأً يُتجنب. أما اليوم فقد تبدّل المشهد ولم يعد الخلاف يدور حول الوصول إلى الحقيقة بل حول وجودها من الأصل.
لم يعد السؤال: من المصيب؟
بل أصبح: من يملك رأياْ أقوى حضوراْ؟
وهنا تبدأ المشكلة.
لقد تسللت إلى وعينا فكرة تبدو في ظاهرها متسامحة لكنها في حقيقتها مدمّرة: أن كل الآراء متساوية وأن لكل إنسان حقاْ في أن يرى ما يشاء دون أن يُحاسب على صحة ما يقول أو أثر ما يطرح.
تحوّل الخطأ من كونه خللاْ يحتاج تصحيحاْ إلى كونه وجهة نظر تستحق الاحترام. وأصبح الاعتراض على الفكرة يُفهم على أنه تضييق لا بحث عن الصواب.
في هذا المناخ لا يعلو الصوت الأصدق بل الأعلى.
لم يعد معيار القبول هو الدليل بل القدرة على التأثير. من يتحدث بثقة ويعرض فكرته بطريقة جذابة ويجد من يصفق له يصبح في نظر كثيرين صاحب رأي معتبر حتى وإن كان ما يطرحه هشاْ في أساسه.
وهنا تختلط الأمور.
حين يُساوى بين الرأي المبني على معرفة والرأي القائم على انطباع يفقد العقل معاييره. وحين يُمنح الخطأ نفس المساحة التي يُمنحها الصواب لا يعود للحق ميزة ولا للباطل حرج.
الأخطر من ذلك أن هذا النمط لا يكتفي بإرباك الفرد بل ينعكس على المجتمع.
تتراجع الثقة في المرجعيات ويُنظر إلى كل طرح على أنه مجرد رأي يمكن أخذه أو تركه دون معيار. ومع الوقت يضعف الانضباط الفكري ويصبح النقاش ساحة لإثبات الحضور لا للوصول إلى نتيجة.
ليس المقصود هنا إلغاء الاختلاف ولا مصادرة الآراء فالتعدد سُنّة والنقاش ضرورة. لكن الفرق كبير بين اختلاف يبحث عن الحقيقة واختلاف يُنكرها.
أن يكون لك رأي لا يعني أن يكون رأيك صحيحاْ.
وأن تُعبّر عن فكرة لا يمنحها ذلك حصانة من النقد.
المجتمعات لا تتماسك حين تتساوى فيها كل الأطروحات بل حين تمتلك القدرة على التمييز. أن تعرف ما يُقبل ولماذا وما يُرد ولماذا. أن تملك معياراْ لا مجرد انطباع.
وفي غياب هذا التمييز يتحول كل شيء إلى مساحة رمادية لا يُعرف فيها حد ولا يُحسم فيها جدل.
وهنا تتلاشى الحقيقة لا لأنها اختفت بل لأننا لم نعد نبحث عنها كما ينبغي.
إن أخطر ما يمكن أن يصل إليه الإنسان ليس أن يخطئ بل أن يفقد قدرته على إدراك أنه أخطأ. فحين يصبح كل شيء قابلاْ للتبرير وكل طرح قابلاْ للقبول يفقد العقل بوصلته ويتحول الوعي من أداة تمييز إلى مساحة تبرير.
ولذلك فإن استعادة التوازن لا تبدأ برفض الآراء بل بإعادة الاعتبار للحقيقة نفسها. أن نؤمن أن هناك صواباْ يُطلب وخطأً يُصحّح وأن الرأي ليس قيمة في ذاته بل بما يقوم عليه من دليل وما يتركه من أثر.
هناك فقط يستعيد العقل مكانه وتستعيد الحقيقة حضورها.
محمد عمر حسين المرحبي
مقالات سابقة للكاتب