تعلّم الانقياد قبل أن تقود

ليست المشكلة في الشركات اليوم أن الجميع يريد أن يكون مديرًا… المشكلة الأعمق أن كثيرين يريدون المنصب قبل أن يفهموا درجاته وما أسراره، وقبل أن يمرّوا بتلك المرحلة التي تُهذّب الطموح وتختبر الإنسان: مرحلة التكوين، حين تكون موظفًا تُوجَّه، وتُطالب، وتُحاسَب، وتنفّذ تحت ضغط الوقت، وتُساء قراءتك أحيانًا، وتُفرض عليك قرارات لا تراها منطقية، ثم تُطلب منك نتائج مثالية وكأن الواقع لا وجود له… وهناك تحديدًا يتكوّن شيء لا تمنحه الدورات ولا تُعلّمه الشرائح اللامعة: أن تفهم الحياة العملية كما هي، لا كما يتخيلها من ينظر لها من بعيد.

في بيئة العمل لا يُختبر القائد في مكتبه ولا في عدد الاجتماعات ولا في مهارته في توزيع المهام على الورق، بل في تجربته السابقة حين كان جزءًا من الفريق، وحين تعلّم معنى أن تُنفّذ وأنت لا تملك كل المعلومات، وأن تُنجز وأنت لا تملك كل الأدوات، وأن تُطالب بالجودة وأنت محاصر بضيق الوقت، لأن القائد الذي لم يختبر موقع الموظف سيصنع قرارات “نظيفة” على الورق… لكنها في التنفيذ تُنهك الناس، وتكسر الإيقاع، وتستنزف المعنويات، وتُحوّل العمل من إنتاج إلى مقاومة يومية.

وفي كثير من الثقافات التنظيمية، ومنها ما يُشار إليه في التجربة اليابانية، لا يُدفع الإنسان إلى القيادة سريعًا قبل أن يتشبع بتجربة الانقياد، ليس لأن الطاعة قيمة مطلقة، بل لأنك لا تستطيع أن تقود الناس حقًا إن لم تفهم ما يشعرون به حين تُسند إليهم المهمة، وما الذي يخيفهم، وما الذي يربكهم، وما الذي يجعلهم يتأخرون أو يترددون أو ينهارون تحت الضغط… فالقائد الذي لم يعش ذلك بنفسه غالبًا سيقدّم حلولًا مثالية الشكل لكنها قاسية الأثر.

ومع ذلك، هناك حقيقة يغفل عنها كثير من الطموحين لأنها لا تُناسب حلم “الصعود السريع”: ليس كل موظف مميز يصلح أن يكون قائدًا؛ فالتميّز في التنفيذ مهارة عظيمة، لكنه ليس شرطًا كافيًا للقيادة، لأن القيادة ليست “إنجازك أنت” فقط، بل قدرتك على جعل الآخرين ينجزون دون أن تحرقهم، وقدرتك على اتخاذ قرار متزن حين تتضارب المصالح والضغوط، وقدرتك على تفسير الواقع قبل أن تطلب من الناس تجاوزه.

أتذكر قصة في إحدى الشركات: تمت ترقية موظف متقن لأنه الأكثر التزامًا وانضباطًا؛ لا يعترض، لا يناقش كثيرًا، لا يرفع صوته، يسلم المطلوب في الوقت، وكان يبدو للإدارة كأنه الخيار الآمن… لكنه بعد أشهر قليلة بدأ فريقه يتراجع تدريجيًا؛ الأولويات صارت ضبابية، القرارات تتأخر لأن كل شيء يحتاج موافقة، الضغط يتضاعف لأن التوجيه صار أوامر بلا شرح، والناس تعمل كثيرًا لكنها لا تعرف لماذا تعمل، فغاب المعنى وحضر الإرهاق… لم يكن الرجل سيئ النية، لكنه ببساطة لم يتعلم كيف يقود، لقد تعلم كيف ينفذ فقط، وحين أصبح مسؤولًا حاول أن يدير الآخرين بمنطق “أنا أنفذ إذن أنتم تنفذون”، دون أن يرى ما بين التنفيذ والقيادة من مساحة اسمها: الفهم.

وهنا يظهر الخلل الحقيقي الذي لا يُقال بصراحة: ليست كل ترقية دليل كفاءة… أحيانًا تكون دليل طاعة؛ بعض المؤسسات لا تختار من يصلح للقيادة بقدر ما تختار من يسهل التحكم به، فتفضّل من يوافق بلا نقاش، وينفّذ بلا سؤال، ويُحسن الالتزام أكثر مما يُحسن التفكير، لا لأنها لا تعرف الفرق بين قائد وموظف منضبط، بل لأنها تخشى كلفة القائد الحقيقي؛ فالقائد الواعي لا يكتفي بتنفيذ ما يُطلب، بل يسأل عن الهدف، ويكشف نقاط الضعف، ويضغط باتجاه تحسين النظام، وهذا يربك الإدارة التي تحب الهدوء… بينما “التابع المتقن” يمنح شعورًا مريحًا بالسيطرة حتى لو كانت النتائج تتآكل من الداخل.

ومن هنا تنشأ مفارقة خطيرة: تُمنح القيادة لمن لا يملكها لا ليقود الفريق نحو نتائج أفضل، بل ليكون سلطة عليه… فتتحول الإدارة من صناعة نتائج إلى إدارة أشخاص، ومن تطوير العمل إلى ضبطه، ومن بناء الثقة إلى إدارة الخوف، والنتيجة ليست قيادة ضعيفة فقط، بل بيئة كاملة تتعلم أن النجاة في الصمت، وأن السلامة في عدم السؤال، وأن النجاح في عدم الإزعاج.

والفرق داخل بيئة الشركات واضح لمن يراقب بصدق: هناك من يعمل سنوات طويلة ولا يتعلم إلا تنفيذ المهام، فيزداد مهارة في “كيف أفعل” دون أن يقترب من “لماذا نفعل”، وهناك من يعيش نفس السنوات لكنه يتعلم كيف تُتخذ القرارات، وكيف تُدار الفرق، وكيف تُقرأ النفوس، وكيف يُفهم السياق قبل أن تتحول المهمة إلى مجرد رقم في تقرير… الأول ينتظر الترقية ليأمر، والثاني حين يُرقّى يعرف متى لا يأمر، ومتى يشرح، ومتى يسأل، ومتى يرفع الحواجز بدل أن يرفع الصوت.

فالقيادة ليست صلاحيات ولا كرسيًا ولا توقيعًا، بل قدرة على قراءة الواقع: أن تفهم لماذا يتأخر موظف قبل أن تحاسبه، وأن تدرك أثر قرارك على الفريق قبل أن تعتمده، وأن تعي أن الأداء لا يتحسن بالأوامر فقط، بل يتحسن حين يفهم الناس المعنى، وحين يشعرون أن هناك من يراهم لا من يراقبهم.

والتحول الحقيقي لا يحدث عند الترقية كما يظن كثيرون… بل قبلها، حين تبدأ ترى العمل بعين المدير وأنت لا تزال موظفًا، وحين تسأل “لماذا” قبل أن تركض إلى “كيف”، وحين تتحمل مسؤولية أكبر من مسماك لأنك تفهم الهدف لا لأنك تبحث عن لقب… فإن كنت تطمح للقيادة يومًا، فلا تسأل متى أصل… بل اسأل ماذا أفهم الآن، لأن الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا: ليست كل مشكلة في القائد وحده… أحيانًا المشكلة في مؤسسة لا تريد قائدًا أصلًا، بل تريد من يهزّ رأسه موافقًا، ويُدير الصمت، ويحافظ على الهدوء، ويجعل الجميع يعملون كثيرًا… ويفكرون قليلًا.

حسن القحطاني

مقالات سابقة للكاتب

تعليق واحد على “تعلّم الانقياد قبل أن تقود

احمد الرفاعي عبد المقصود موسى

إبدااااع كالعادة د حسن 🔥 أحسنت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *