الحمد لله الذي حفظ لهذا الدين والعلم رجاله فدوّنوا ونقّبوا وتركوا من الآثار ما يُبقي للأمة صلتها بجذورها والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي علّمنا أن التثبت أصلٌ وأن المعرفة مسؤولية وأن الكلمة إذا خرجت بغير علم كانت باباْ للخلل لا للهدى.
ومن هذا الباب ذاته الذي قد تنفذ منه الأحكام قبل أن تكتمل الأدلة تتشكّل كثير من تصوراتنا عن التاريخ فنملأ فراغاته بما نُحب ونفسّر غموضه بما يوافق ما استقر في أذهاننا. وفي زحام ما يُتداول عن التراث حيث تختلط الرواية بالانطباع ويُعاد إنتاج الأسئلة دون إعادة فحصها تبرز قضية كتاب الإكليل بوصفها نموذجاْ حياْ لهذا الخلل إذ لا يُناقش كثيراْ من خلال ما ثبت منه بل من خلال ما يُظن أنه فُقد وما يُقال إنه أُخفي.
هذا الكتاب الذي ألّفه العالم الموسوعي الحسن بن أحمد الهمداني المولود في اليمن نحو سنة ٢٨٠هـ والمتوفى سنة ٣٣٤هـ لم يكن مجرد جهدٍ في جمع الأخبار بل محاولة واعية لإعادة بناء التاريخ من خلال أدوات متعددة حيث جمع بين الرواية الشفوية والنقوش المسندية والمعاينة الجغرافية في زمن كانت فيه المعرفة تُنتزع من الأرض قبل أن تُسطر في الكتب.
وقد وضع الهمداني كتابه الإكليل في عشرة أجزاء أراد بها أن يرسم صورة متكاملة لتاريخ اليمن القديم وملوك حمير وأنسابهم ومواطنهم وآثارهم غير أن هذا المشروع لم يصلنا على تمامه بل بقي منه ما يشبه الشاهد على عظمة الأصل إذ استقر عند كثير من الباحثين أن الموجود بثبوت أعلى هو الجزءان الثامن والعاشر مع نُقول متناثرة تُنسب إلى أجزاء أخرى بينما تُتداول إشارات إلى وجود أجزاء كالأول والثاني وجزء يسير من السادس وهي إشارات لا تزال محل نقاش ولا يصح الجزم بها دون تحقيق دقيق.
وهنا تحديداْ يتسلل الخلل الذي بدأنا منه إذ يتحول الفراغ العلمي إلى مساحة مفتوحة للتأويل فيُبنى على الضياع حكم وعلى الغموض قصة وعلى الاحتمال يقين. فتُطرح مقولات تتحدث عن إخفاء متعمد للكتاب وكأن كل ما لم يصل إلينا لا بد أن وراءه يدٌ حجبت أو حقيقة أُريد لها أن تغيب.
غير أن القراءة المنضبطة تقف موقفاْ مختلفاْ فغياب الدليل ليس دليلاْ على وجود فعلٍ خفي كما أن ضياع المخطوطات لم يكن استثناءً في تراثنا بل كان ظاهرة عامة فكم من كتبٍ عظيمة فُقدت وكم من علومٍ تفرّقت أجزاؤها بين الأيدي دون أن يكون وراء ذلك قرار أو قصد.
إن الإشكال ليس في أن أجزاء من الإكليل لم تصلنا بل في أننا نميل أحياناْ إلى تعويض هذا الغياب بتصورات جاهزة بدل أن نُعيد قراءة ما بين أيدينا قراءة واعية.
ففي الجزء الثامن، يكشف الهمداني عن منهجٍ دقيق في تتبع أنساب حمير لا بوصفها سلاسل أسماء بل بوصفها بنية تاريخية واجتماعية تعكس حركة القبائل وتوازنات القوى وامتداد النفوذ وهو في ذلك لا يكتفي بالنقل بل يمارس تحليلاْ يقترب من الفهم المركب لا السرد المجرد.
أما الجزء العاشر فيتجاوز حدود الرواية إلى ربط التاريخ بالمكان من خلال حديثه عن قبور الملوك ومواقعها فيقدّم وصفاْ يُشبه العمل الميداني وكأننا أمام مؤرخٍ يسير في الأرض ليتحقق مما يكتب لا يكتفي بما يُروى له وهو ما يمنح كتابه قيمة تتجاوز كثيراْ من كتب عصره.
وهذا المنهج تحديداْ هو ما يجعل الإكليل كتاباْ مختلفاْ إذ لم يكن مجرد ناقلٍ لما استقر بل كان مشاركاْ في إعادة صياغته وهو ما يفسر جانباْ من الجدل حوله لا بوصفه كتاباْ خفياْ بل بوصفه كتاباْ غير مريح لمن يبحث عن رواية واحدة مستقرة لا تقبل المراجعة.
ومع ذلك فإن هذا الاختلاف لا يُفسَّر بإخفاء، ولا يُبنى عليه حكمٌ بوجود ما أُريد طمسه بل يُقرأ في سياقه العلمي كما قرأه من جاء بعد الهمداني وتعامل معه علماء مثل نشوان الحميري وياقوت الحموي بوصفه مصدراْ معرفياْ يُؤخذ منه ويُناقش لا نصاْ محجوباْ يُخشى الاقتراب منه.
إن تحويل كل فجوة في التاريخ إلى قصة إخفاء لا يكشف الحقيقة بل يكشف طريقة تفكيرنا نحن إذ نميل إلى تفسير ما نجهله بما يُشبع فضولنا لا بما يثبت عند التحقيق.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: ماذا أُخفي من الإكليل؟
بل: كيف كتب الهمداني؟ ولماذا اختلف؟ وما الذي يضيفه منهجه لفهمنا للتاريخ؟
فبين ما كُتب وما فُقد مساحة لا تُملأ بالظنون بل بالمنهج.
وبين ما نعلم وما نجهل مسؤولية لا تُؤدى بالتخمين بل بالتثبت.
وفي زمن تتسارع فيه الأحكام وتُختصر فيه المسافات بين المعلومة والرأي يبقى الدرس الأعمق الذي يقدمه لنا الإكليل أن الكلمة إذا خرجت بغير علم لم تكن مجرد خطأ عابر بل كانت باباْ يُفتح للخلل ويصعب إغلاقه.
وأخطر ما في التاريخ ليس ما ضاع منه بل ما نملؤه نحن بما لم يثبت فيه.
(بالرجوع إلى تحقيق كتاب الإكليل للهمداني تحقيق: محمد بن علي الأكوع الحوالي ودراسات التراث اليمني في النقوش والأنساب)
✒️ محمد عمر حسين المرحبي
مقالات سابقة للكاتب