ترسيخ دعائم الانتماء

الحمد لله الذي أنعم علينا فجعلنا مسلمين، وأعزنا بالانتماء لهذا الدين.

والصلاة والسلام على من بعثه ربه بالإنذار والبشرى رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمابعد :

فإن مفهوم الانتماء بمعناه البسيط هو الانتساب والارتباط بشيء ما؛ والارتباط الحقيقي به وجدانيًّا، وفكريًّا، ومعنويًّا، وواقعيًّا، مما يدل على قوة الصلة التي تربط بين الفرد والشيء الذي ينتمي له، سواء أكان هذا الانتماء لأسرته أم لعائلته أم لقبيلته أم لوطنه أم لغير ذلك.

ذكر ابن منظور في لسان العرب: “انتمى إليه: انتسب، وفلان ينتمي إلى قوم ينتسب إليهم” وذكر النجار أن مفهوم الانتماء هو: “الإحساس تجاه أمر معين يبعث على الولاء له، والفخر به والانتساب إليه”

ويتضح من خلال هذه التعريفات أنّ مفهوم الانتماء يعني الارتباط بالأصول والدفاع عنها والتمسك بها، وعكسه هو الإغتراب، وهو الذي يؤدي إلى الضعف والتقهقر، بل وإلى التمرد والانحلال من القيم والثوابت الاجتماعية، وذلك لأنّ الإنسان بدون أصل وجذور قوية يركن إليها، لا يكون قادرًا على مواجهة أصغر مشكلة تواجهه في الحياة.

فعند الأزمات تزداد الحاجة لدى الإنسان للانتماء لكونه يشعره بالأمن، ومتى ما وَجَدَّتَ كيَانًا بدأ يفقد الانتماء، أدركت أنه سيتلاشى وانتشرت فيه روح الأنانية واللامسؤولية، وكلما وُجِدَ الانتماء، وُجِدَ معه التعاون والتضحية، بل تجد الإنسان يضحي بكل سعادة لهذا الكيان، ولو لم يأخذ منه فائدة، أو منفعة دنيوية.

ومن الوقائعَ التي دلَّتْ على تمثُّل النبي ﷺ لهذه الحقيقة، وتعاطيه مع تلك الغريزة:
١- الحب والولاء لبلد الولادة والنشأة. قال النبي ﷺ لمكة: (ما أطيبَك مِن بلد، وأحبَّك إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنتُ غيرك).
[أخرجه الترمذي وصححه].
 
٢- الانتماء للطائفة والجماعة. قال ﷺ : (لو أن الأنصار سلكوا واديًا، أو شِعبًا، لسلكتُ في وادي الأنصار، ولولا الهجرةُ لكنتُ امرأً مِن الأنصار). [رواه البخاري].
 
٣- التعزِّي والافتخار بالقبيلة والعائلة: كان النبيُّ ﷺ يقول: (أنا النبيُّ لا كذِب، أنا ابنُ عبدالمطَّلِب). [رواه البخاري].

فللأسرة والعائلة والقبيلة شأنٌ عظيمٌ، وأهميةٌ كبيرة، في الحفاظ على الفرد والجماعة، مما يعود نفعُه على البلاد، والعباد.
احتاج نبيُّ الله لوط عليه السلام – في أحلك الظروف – إلى قبيلة تحميه، وركنٍ يؤويه، ليدافعَ عن أضيافه، لما هجم عليه الرَّعاع، والسَّفلةُ السفهاء، {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}[هود: ٨٠].

ومن الجميل تنمية دائرة الانتماء نحو التنافس في الخير، كتنمية دائرة الانتماء للأسرة أو القبيلة في الحث على الخير والصفات الكريمة، والقيم الإسلامية، على ألا يطغى هذا الانتماء والشعور أو يستعمل في تغذية العنصرية، واحتقار الآخرين، أو التكبر على الغير، وتبقى القاعدة الشرعية هي المعيار: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }. [الحجرات: ١٣].

ومن الجميل كذلك أن تجد دوائر الانتماء تتسع، وتتنوع بتنوع الثقافات والمجتمعات، لكن مايهمنا هنا، هو التركيز على أصول الانتماءات: الأسرة والعائلة والقبيلة والوطن، ولاتستقيم هذه الانتماءات، إلا بالانتماء للإسلام، وهكذا تبقى دائرة الانتماء للأمة الإسلامية، هي الدائرة الأوسع والأعمق، وهي في حقيقتها تتجاوز حدود الزمان والمكان، فتجد أنك تحب كل مسلم ولو لم تره، وإن عاش في عصر ليس عصرك، وتدعو له بالخير، قال تعالى: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: ١٠].

والتربية على الموازنة بين الانتماء للأسرة والقبيلة والوطن والإسلام، تُسهِم في تنمية العديد من الجوانب الإيجابية للفرد والمجتمع، منها:
أولًا: الوقاية مِن العُزلة والانطواء والفردية والتوحُّد.
ثانيًا: الشُّعور بالوَحدة والاجتماع، والعمل على التعاون والتكافل.
ثالثًا: السلامة مِن الاستغلال والتأثير مِن أصحاب الانتماءات المنحرفة والتوجهات الضالة.
رابعًا: العيش وَفْق هويَّة واضحة، ورُؤًى منضبطة، وتوجهات متكاملة.
خامسًا: الحماية مِن الاضطراب النفسي، والصراع القِيمي، والقلق الفِكري، والاغتراب المجتمعي.
سادسًا: المحافَظة على الثوابت الدِّينية، والروابط الأسرية، واللُّحمة المجتمعية، والمكتسَبات الوطنية.

وفي الختام: يتجلى مما سبق أن الأسرة هي المؤسسة الاجتماعية الأولى التي تعنى بالتماسك الاجتماعي كونها مصدرًا لتكوين شخصية الفرد وترسيخ دعائم انتمائه لعائلته وقبيلته ووطنه الإسلامي.

فحقيقةُ الانتماء أنه غريزةٌ بشرية، وطبيعة فطرية، لا يستطيع الإنسانُ التجرُّدَ منها، ولا التنازل عنها، ولا التفريط فيها، فهو منذ ولادته تولد معه غريزة الانتماء، لذلك فإن الأسرة هي الوعاء الأول الذي يُستقى منه الانتماء.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *