الثراء – الغني – مصطلح محبب للجميع، وله في قلوب الناس شغف عظيم، وبه تستثار مكامن الطموح الإنساني. فالفطرة البشرية مجبولة على حب النعمة وطلب الرفاهية، والسعي وراء رغد العيش، قال سبحانه “وإنه لحب الخير لشديد” [العاديات: 8]، والخير هنا المال، إن هذا التوق إلى الغنى يدفع كثيرًا من الناس إلى بذل الجهد والسعي الحثيث وراءه بأساليب ووسائل متنوعة؛ ليبلغوا مكانة مرموقة في المجتمع، ويحظوا باحترام الجميع، فالمال في أعين الكثيرين هو جواز العبور نحو العز والجاه، وهو الحصن الذي يحمي من غوائل الزمن، ويمنح صاحبه شعورًا بالكفاية والاطمئنان، في حين يفر الناس من الفقر أشد الفرار ، هاربين من العوز والحاجة، إذ إن الفقر في الوعي الجمعي مؤذن بالحرمان والانكسار.
وطلب الغنى مطلب محمود، إذا تقضى به الحوائج وتسهل به الأمور، وخير المال، المال الصالح في يد الرجل الصالح، فالغنى في يد الصالح ليس وبالًا، بل وسيلة لإعمار الأرض، ونفع الناس، وصلة الرحم، والإنفاق في سبيل الله.
وعلى هذا فالسعي للغنى مطلوب بل ومأجور إن أُحسن به النية، واتُّخذت له الوسائل المشروعة، ولكن لا ينبغي أن يكون الغنى هدفًا يُفنى فيه العمر ويُنسى لأجله الدين، وتُهدر به المبادئ، وتُقطع الأرحام، فهذا غنى كاذب، لا يزيد صاحبه إلا فقرًا يوم أن يقف بين يدي الله مجردًا من كل ما جمع، فالغنى الحقيقي أن تكون الدنيا في يدك لا في قلبك، هو غنى الأخلاق والعلم والمبادئ والقيم والروح والاستغناء عن الخلق بالخالق سبحانه وتعالى.
وعادةُ الناس – إلا من رحم الله – أنهم يميلون حيث يميل المال، فيُمجِّدون الغني ولو كان كاذبًا، ويُهمّشون الفقير ولو كان حكيمًا ناصحًا. ميزانهم مختل، ومقياسهم مادية، لا يزنون بالحق، بل بما في اليد من مال .
إِنَّ الغَنيَّ إِذا تَكَلَّمَ كَاذِباً قَالوا
صَدَقْتَ وَما نَطَقْتَ مُحالا
****
وَإِذا الفقيرُ أَصابَ قالوا
لَمْ تُصِبْ وَكَذَبْتَ يا هذا وَقُلْتَ ضلالا
فكم من صاحب مال رفعه الناس، لا لفضله، بل لغناه، وكم من فقير طُمِس نوره؛ لأنه لا يملك ما يُغريهم، فمقاييس الناس فيها خلل عظيم، إذا لم تُبْنَ على التقوى والعلم والعمل الصالح.
لكنّ الله لا ينظر إلى صور الناس ولا أموالهم، بل ينظر إلى قلوبهم وأعمالهم، ومن أراد القيمة الحقيقية، فليرضَ أن يُوزن بميزان السماء لا الأرض.
والفقر ظاهرة اجتماعية واقتصادية مألوفة في كل المجتمعات، وغالبًا ما يُقاس الفقر بعدم توفر المال أو الموارد المادية اللازمة للعيش الكريم. لكن هناك بعدًا أعمق وأهم للفقر، وهو الفقر الحقيقي الذي لا يقاس بالمال، بل يقاس بمدى افتقار الإنسان لما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى، من أعمال صالحة وقيم ومبادئ وعلاقات إنسانية نبيلة.
ليس عيبًا أن يعيش الإنسان فقيرًا ماديًا، طالما أنه يبذل قصارى جهده بكل الوسائل المتاحة ليعيل نفسه ويكفّ عنها الحاجة. فالفقر المادي قد يكون ظرفًا طارئًا أو مرحلة مؤقتة في حياة الإنسان، ولا يعني بالضرورة ضعفًا في الشخصية أو خللًا في القيم. بل على العكس، هناك كثير من الناس الذين يعيشون في فقر مادي، لكنهم أغنياء بالقيم والأخلاق والروحانيات، وهم في واقعهم أغنى من كثيرين ممن يمتلكون المال ولا يملكون الخير.
أما العيب الحقيقي، فهو أن يعيش الإنسان فقيرًا من كل ما يقربه إلى الله، فقيرًا من الأعمال الصالحة التي تنير حياته، فقيرًا من القيم والمبادئ التي تبني شخصيته وتوجه سلوكه، فقيرًا من العلاقات الإنسانية النبيلة التي تعزز من إنسانيته وكرامته. هذا هو الفقر الحقيقي الذي لا يراه الناس بالعين المجردة لكنه أعمق وأخطر من الفقر المادي.
فالفقر الحقيقي أن تكون فقيرًا من صدقة، ومن كلمة طيبة، من عفو كريم، وابتسامة صادقة، من خلقٍ نبيل… هذا هو الفقر الذي لا يُداوى بالمال، ولا تُنهيه الثروات.
ما قـيمة الناس إلا في مبادئهم لا المال يبقى ولا الألقاب والرتب.
أما الفقر الحقيقي الأعظم فهو الافتقار الدائم إلى الخالق سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. قال الشوكاني: أي: المحتاجون إليه في جميع أمور الدين والدنيا، فهم الفقراء إليه على الإطلاق. وقال ابن القيم: الفقر الحقيقي هو دوام الافتقار إلى الله في كل حال، وأن يشهد العبد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقةً تامةً إلى الله تعالى من كل وجه.
وهنا يذكر ابن القيم رحمه الله لطيفةً قائلًا: “من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تسمع داعيه ثم تتأخر عن الإجابة، وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعمل غيره، وأن تذوق العذاب عند تعلق القلب بغيره ولا تهرب منه إلى نعيم الإقبال عليه والإنابة إليه.
وأعجب من هذا علمك أنك لا بد لك منه، وأنك أحوج شيء إليه، وأنت عنه معرض، وفيما يبعدك عنه راغب“.
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس » ومتى استغنت النفس استغنى القلب…. والغنى بالحق تبارك وتعالى عن كلِّ ما سواه، وهو أعلى درجات الغنى.
إنّ المال ليس معيارًا للتفاضل عند الله، ولا يُقاس الإنسان بثروته، ولا بعدد أولاده، ولا بمكانته بين الناس، قال تعالى:{وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [سبأ: 37].
فالقُرب الحقيقي من الله لا يُنال بالحسب ولا بالنسب، وإنما بالإيمان، والعمل، والتقوى.
وبهذا المقياس الرباني، تسقط الاعتبارات الدنيوية، وتُرفع القلوب العامرة بالتقوى.
وقد قال تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
فلا المال، ولا الجاه، ولا السلطة، ولا المظهر، ترفع عند الله من شأن عبدٍ، إن خلا قلبه من التقوى، وعمله من الإخلاص.
أوليس قد قال رسول الله ﷺ:«إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ» [رواه البخاري ومسلم]؟
إن السعادة كل السعادة أن تمتلئ روحك رضا، وقلبك تقوى، وإن خلت يدك من الدنيا، فكن غنيًا بما لا يُشترى… غنيًا بالله، وما عند الله خير وأبقى.
مقالات سابقة للكاتب