*المدير الوسط.. بطلٌ صامت خسره الجميع*
عزيزي القارىء قد تكون سمعت من قبل عن مصطلح “المدير الوسط” أو Middle Manager، لكنه في الحقيقة أكثر من مجرد وظيفة في هيكل تنظيمي.
هو تجربة إنسانية معقدة، يعيش فيها الإنسان بين مطرقة الإدارة العليا وسندان الفريق، وغالبًا ما يدفع ثمن نجاحات لا تُنسب له، وأخطاء لم يرتكبها وحده.
المدير الوسط ليس المدير العام، ولا هو موظف عادي؛ بل هو ذاك الشخص الذي تُلقى على عاتقه مسؤوليات ضخمة دون أن يُمنح الأدوات الكافية لتحقيقها.
لديه مدير فوقه يطلب منه الأرقام والإنجازات، وفريق تحته يطلب منه الدعم، التقدير، والمكافآت.
وما بين الطرفين، يقف المدير الوسط وحيدًا، عالقًا في الوسط.. تمامًا كما يوحي الاسم.
المدير المسكين..
بطل بلا صلاحيات ..
غالبًا ما يكون هذا المدير شخصية طيبة، مجتهدة، مثقفة، يريد الخير للجميع، ويحاول أن يُرضي الجميع.
يسعى لتحقيق الأهداف، وتحفيز الفريق، ولكنه لا يملك القرار ولا المكافأة ولا حتى الاعتراف.
يرفض قرارات لا تناسب الفريق، ويعتذر عن تنفيذ أخرى رغم اقتناعه بضرورتها، لأنه ببساطة.. لا يملك شيئًا حقيقيًا في يده.
كلما نجح الفريق، نُسب الإنجاز إلى القيادة العليا. وكلما فشل، تحمّل هو اللوم وحده. ومع الوقت، يبدأ الفريق بالتذمر منه، لأن صوته ضعيف، وقراراته لا تُنفذ.
والإدارة أيضًا تفقد ثقتها به، لأنه لا يفرض سيطرته بالشكل الذي يريدونه. وهكذا، يُستهلك الرجل من الجهتين.
نقطة الانهيار
تبدأ الضغوط بالتراكم، وتتدهور صحة المدير النفسية. تتلاشى ابتسامته، يهرب من الاجتماعات، يفقد شغفه، ثم يبدأ بالتفكير في الاستقالة.
يحاول الصمود، ولكن تنهشه السكاكين من كل جانب. لا الإدارة راضية عنه، ولا الفريق يراه قائدًا.
وفي لحظة، ينهار.
يروي المقال كيف يستمر الحال لأشهر طويلة، حتى يصل المدير إلى مرحلة اللاعودة.
تنهار حياته الشخصية، يفقد شغفه بكل شيء، ويغادر في صمت. لا أحد يفتقده فعلًا، ولا أحد يعترف بخسارته. رغم أنه كان يحاول فقط أن يُبقي السفينة طافية وسط أمواج متضاربة.
النهاية: خسرناه جميعًا
خسر المدير المسكين عمله، وخسر نفسه، وخسرناه جميعًا.
هو لم يكن فاشلًا، بل كان مقاتلًا بصلاحيات منزوعة. أُهمل، واستُنزف، ورُفض، ثم أُقصي.
وفي النهاية، تكتشف الإدارة متأخرة أن الفريق بلا قائد حقيقي لا ينجز، وأن العمل بلا توجيه لا يستقيم. لكن بعد ماذا؟ بعد أن ذهب المدير الوسط، وذهب معه التوازن، والإنسان.
ليس هذا المقال بكاءً على الأطلال، بل نداء لكل مؤسسة: لا تهملوا المدراء الوسط. هؤلاء هم العمود الفقري لأي فريق. دعمهم، وتمكينهم، والاستماع لهم ليس خيارًا بل ضرورة. فخسارة مدير وسط واحد، قد تعني انهيار فريق كامل.
فايز حميد البشري
مقالات سابقة للكاتب