لماذا نكتب الذات؟ هل لنعرف من نحن، أم لنصنع من نريد أن نكون؟ أو ربما، فقط، لأن الحبر يخفف من ثقل الروح، ويعطي للفراغ صوتا؟
وكيف نكتبها؟ هل بكلمات تشبهها؟ أم بكلمات تتخلق في رحمها ثم تتشظى، وتتكاثر؟
هل حقا ما نكتبه هو ذاتنا، أم ذات غيرنا، أم ذات تمنيناها، رسمها لنا خيالنا، والدانا، مجتمعنا… و… و…؟
أول مرة أمسكت فيها القلم، كنت كطفل يرسم نفسه للمرة الأولى؛ سطرت فرحة هنا؛ وجعا هناك؛ ولم أنس الأحلام، الأماني، الحب، الطموح.. كتبت كل شيء، ولا شيء على السطور ذاتها.
في مرحلة لاحقة، توهمت أني استطعت التمييز بين ذاتي التي تكتب، وذاتي التي تملي علي ما أكتب، بل واكتشفت أن كلا منهما تحمل آمالها وآلامها الخاصة؛ وكلتاهما تتوالد داخلها ذوات لا متناهية، وكأني أمام لغز.. بل حشد من الذوات يريد جميعه أن يقول، وعلي وحدي أن أصغي.
أجدني أكتب اليوم عن شيء أغضبني، وغدا أتناوله بفرح، بل ربما أوعزت لحروفي أن تراقصه بين السطور.
ما هذا، أيها القلم؟ وماذا تفعلين، يا ذاتي؟ كيف استطعت الانقسام في وجهي بهذا الشكل المحير؟ تتسللين إلى ذوات لا تعرفك، وتغرسين جذورك في أراض غريبة؛ يكفيك قصة عابرة، أو أهزوجة فرح سمعتها، أو دمعة لم تكتمل، أو لمحة سريعة من ملامح إحداهن، ساعة في معصمها، رائحة عطر، لتنسجي من خيوط تلك اللحظة حكاية كاملة… وتكتبينها كما لو كانت تخصك، كما لو أنك تكتبين ذاتك، تقولين فيها ما لم يُقَل، تتكلمين بلسان أمك، حبيبك، معلمتك، وحتى حارس العمارة.
كيف حدث هذا؟ كيف أصبحت كل هؤلاء؟ أو لعلك كنتهم دوما، دون أن تدري.
لكن… من سيقرأك؟ وهل سيقرأك بوعي؟ أم بعين تمضي على السطور دون أن تتبلل بها؟ هل سيفهم أنك لا تكتبين عنهم، بل عن نفسك المتخفية في كل هؤلاء؟
وماذا عنك.. حين كتبت، هل كنت في وعيك؟ أقصد، هل كنت فعلا ذاتا عاقلة؟
ومضة
بعض السطور المجنونة، تكون وحدها القادرة على معانقة الحقيقة، حين تعجز الذات عن فهم نفسها.
مقالات سابقة للكاتب