‏الخير الذي لا يظهر في أول الطريق

🖋️ ‏بعض الطرق تبدأ مظلمة ؛ تفتح عينيك في منتصف الطريق، فلا ترى سوى جدران عالية وأبواب مغلقة، كأن العالم كله ضاق من حولك، وكأن ما حدث لا يمكن أن يكون خيرًا أبدًا. تخسر شيئًا عزيزًا، تُخذل من شخص كنت تظنه أقرب، يُحجب عنك أمر رجوت الله فيه طويلًا. ثم تأتيك تلك الفكرة… “هل هذا هو الخير؟! إن كان هذا قضاء الله، فكيف أرضى به؟”

‏هذا سؤال لا يُقال مرة واحدة في العمر، بل يعود كلما مرّ البلاء، وتغيّرت الخطط، وخرجت الحياة عن النص.
‏لكنه سؤال فيه مفتاح، من لم يمسكه بقي أسيرًا لظاهر الحوادث، ومن أمسكه بشيء من البصيرة، انفتح له باب الرضا… ومع الرضا، ينكشف وجه الخير.

‏في القرآن، لا توجد مصيبة إلا وتحتها حكمة. بل إن الله عز وجل قال في صريح الآية:
‏”وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْـٔٗا وَهُوَ خَيْرٞ لَّكُمۖ” [البقرة: 216].
‏فالمسألة ليست أن المصيبة ليست مؤلمة، بل أن الألم لا ينفي الخير، بل قد يكون طريقه.

‏قال ﷺ:‏”عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له.” [رواه مسلم]

‏لاحظ أن الحديث لم يشترط أن يرى الخير، أو يفهم سببه، بل يكفي أن يرضى، أو أن يصبر، فيكون كل ما نزل به… خير.

‏وليس المقصود أن المؤمن لا يتألم، ولا تدمع عينه . بل إن النبي ﷺ نفسه بكى عند فَقد ابنه إبراهيم، وقال:
‏”إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون.” [رواه البخاري]

‏الفرق الجوهري أن الرضا لا يعني إنكار الألم، بل أنك لا تجعل من الألم حكمًا على حكمة الله.

‏بل قد يكون الخير بعيدًا كل البعد عن تخمينك، لكن الرضا يُمهّد الطريق له حتى يصل.
‏سؤال يتكرر: “لكن ماذا لو لم أرضَ؟ هل يتبدّل شيء؟ هل الجزع يغيّر ما كُتب لي؟”

‏الجواب المختصر: لا.
‏ما كتبه الله سيقع، خيرًا كان أو بلاءً، لكن الجزع يزيدك ألمًا فوق الألم، وضيقًا فوق الضيق، ويغلق عنك باب الطمأنينة. أما الرضا فلا يُغيّر القضاء، لكنه يغيّرك أنت، يبدل حالك، يجعلك أهلًا لرؤية الخير حين يأتي، بل ويصنع من الألم معنى.

‏وقد قال النبي ﷺ في حديثه:
‏”احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان.” [رواه مسلم]

‏فالذي يمنعك من رؤية الخير ليس ما نزل بك، بل ما يقف بينك وبينه من سوء ظن، وكثرة “لو”، وسؤالٍ معلق لا يأتيه جواب.

‏لكننا لا نُخلق راضين.
‏الرضا لا يُلقى على القلب فجأة، ولا يُورث بالفطرة وحدها. بل يُربّى كما تُربّى العضلة بالتحمل، وكما يُربّى البصر على التمايز بين الظلال والضوء.
‏وما من مؤمن بلغ مرتبة الرضا إلا وقد مرّ بمراحل من الألم، ومحاولات للفهم، وخيبات متكررة من ظنه بنفسه وظنه بالناس، حتى لم يبقَ له إلا الله، فسلّم له ما لا يستطيع أن يغيّره.

‏قال بعض السلف:
‏”إن الرضا باب الله الأعظم، وجنته في الدنيا، من لم يدخله لم يتذوق نعيم القرب.”

‏وما بين كل قضاء، ووجه الخير فيه، فسحة لا تُقطع بالعقل وحده، بل بنوعٍ آخر من البصيرة…
‏بثقة تقول: إن لم أفهم الآن، فإن ربّي يعلم، وإن ضاق صدري، فإن ما كُتب لي فيه من اللطف ما لو رأيته، لوقعت ساجدًا شكرًا.

‏ولعلّ من أبلغ ما يُضرب به المثل في أثر اللجوء إلى الله عند الشدة، قصة نبي الله يونس عليه السلام.
‏حين أُلقي في ظلمة البحر، في بطن الحوت، لم يكن بيده إلا الذكر، والعودة إلى الله.
‏فكان تسبيحه اعترافًا ورضًا وتسليمًا، فقال:
‏”لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين.” [الأنبياء: 87]
‏فاستجاب الله له، ونجّاه من الغم.
‏”فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون” [الصافات: 143–144]

‏لم تكن النجاة لأن الله بدّل ما قدّره لحظة التسبيح، بل لأن التسبيح كان مكتوبًا في الأصل سببًا للفرج، فوقع ما كُتب.
‏والدرس هنا ليس في تقصّي دقائق القدر، بل في ما يكشفه للقلب:
‏أن الفرج قد يُفتح حين نُسلّم، ونلجأ، ونرضى، ونذكر الله حتى في ظلمة البطن والبحر والليل.
‏فالتسبيح لا يغيّر مشيئة الله، لكنه يهيئ القلب لاستقبال ما فُتح له من رحمة، ويكشف للنفس بابًا كان غائبًا عنها وهي في غفلتها أو جزعها.

‏إنك حين ترضى، لا تغيّر القضاء، ولا تطلب غير ما كُتب لك، بل تقول لقلبك:
‏هذا طريقك الآن، فاختر أن تسير فيه بإيمان أو باضطراب.
‏وما دام لا مهرب منه، فالرضا ليس استسلامًا، بل وقوف كريم بين يدي الله، تقول فيه:
‏اخترت أن أطمئن بك، لا أن أستنفد نفسي في مقاومة ما كتبت.

‏وهذا هو الفرق بين من تُثقله الأيام، ومن يمر بها دون أن يفقد خفته .

محمد بن خالد بن سعود الكبير

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *