أمي لا تحتاج شيئاً

حملته أمه وهنا على وهن، ورفسة واحدة في بطنها كانت تذيقها سكرة موت، ووضعته فكانت مع الطلق تموت وتحيا، ثم أرضعته ليل نهار بلا تحديد وقت راحة لها، فالوظيفة تتطلب الدوام أربعا وعشرين ساعة، ولا عذر منها ولو كانت أمه ترعد من شدة حمى أو تئن وتتلوى من وجع، وكم عض ثدييها بعد أن برزت أنيابه ! ,,وفصاله في عامين،،.

وقد تأملته في حجرها والأمل يسبق نظرتها، وينقل رمقتها إلى مراحل عمرية تتابع سريعا في مخيلتها…. تخيلته يلعب، يلهو، يجري، يدرس، يتفوق، يسعد ويفرح، تخيلته عريسا، أبا وبها بارا، يزورها مع أطفاله، نشأ ترعاه بشغف الأمل وتحرسه بحرص الوجل، تفديه من كل شر بنفسها، ترقب شعوره، وتعيش مشاعره، تعرف مايشتهيه دونما يطلب، وتشعر بمشاعره بسروره وكدره من ملامحه ولو حاول إخفاءها، تحمل هم شأنه أكثر منه، واحتفلت به في كل مرحلة من دراسته تخرج فيها، تؤثره على نفسها، وتذل نفسها لتوفر الريال من أجله، سعادتها ليست من نفسها لنفسها إنما أن تراه سعيدا.

تخرج فاهتمت لوظيفته، توظف فانشغل تفكيرها لتزوجه، ومن هي التي تسعده، فا ختار هو وهي جهزت كل مايسعده، تنظر في عيونه وترقب مشاعره، حرصا أن تفعل مالا يناسبه، اهتمت لحفلة زواجه، وكيف تكون بداية حياته الجديدة، زفت له عروسته، وبدموع الفرح ودعته، وقامت من الليل وخصصت سجداتها لتدعو له، تبتهل إلى الله طلبا لسعادته، ويؤلمها مفارقته وقد عاشت أرملة من أجله… ثم ماذا!

إنها لم تعد تحظى برؤيته، تمر الأيام المتتالية، ولم يهتم ولم يوفر لها إلا القليل من حاجتها وهي لاتطلبه تخاف أن ظروفه لاتساعده، وهو يشتري الهدايا التي تحبها زوجته، ويحتفي بزوجته ويحتفل بتاريخ شراكته – وذكريات زواجه بها وحفلته.

وعنده من الأولاد مايرى بقاءه عند جدته وفي كثير من المرات قد فعل ليعيش أجواء نزهته وسفرته، يتعاهد حساب زوجته البنكي مع نزول راتبه، ليضع فيه مبلغا، احتياطامن أن تحتاج زوجته حبيبته الموقرة فلا تطلبه…

فكر ثم قرر فاختار أين يقضي مع زوجته إجازته، ثم زار أمه في عجل قبيل سفرته يودعها لتودعه، وينال من دعائها وبركته، ثم سألها هل تحتاجين شيئا ياأمي، تأمرينني بشيء؟

نظرت إليه وقلبها يكاد من الحسرة يتوقف، وهي ترى كل تلك السنوات التي قضتها في تربيته وتلك الآمال التي ملأت الآفاق والآماني التي تجاوزت العنان وتلك الجهود المضنية والتضحيات المجهدة تنحصر في جملة بين قوسين صغيرين (تأمرين بشيء يا أمي ؟)

فما كان منها إلا أن أجابته لا ياولدي لا أحتاج شيئا ، فالتقط جوابها ومضى مسافرا في أجمل نزهة وهو يقول : (أمي لاتحتاج شيئا)..

✍️ أم صامتة

مقالات سابقة للكاتب

9 تعليق على “أمي لا تحتاج شيئاً

غير معروف

تحتاج وتحتاج وتحتاج
وايش ما قدمنا مقصرين

لو تطلب الجمار والتاج
تامر وحنا لها ملبين

غير معروف

للأسف هذا واقعنا، فكثير من الأبناء يقصر مع والديه
ولا يشعر بمشاعرهم.
سيعرف هذي الحقيقة بعد سنوات بعد ان فاته الوقت
ولا يستطيع التدارك ،،
اللهم اهدنا واهدي أبناءنا، وارزقنا بر أباءنا وأمهاتنا أحياء وأموات

أحمد بن مهنا الصحفي

فعلا … هذه صورة لنماذج ليست قليلة من العقوق ..
ونحتاج لدراسة الأسباب من قبل المصلحين وتقرير أساليب المعالجة.
فأثر العقوق عقوبات خطيرة.. قد تعم
اللهم أصلح الأحوال واجبر قلوب أمهات بسبب العقوق لم تزل محزونة.

أبو معاذ

لابد من تفقد أحوال الأمهات
لايكفي السؤال
بل مراعاة المشاعر وماتريده الأم يجب أن يعرفه الابناء والبنات
لايقدم أحدا من الناس عليها
وماأكثر الأمهات الصامتات

عبدالكريم

الحقيقة المرة وليتك تكتب عن ما يعيننا على البر

مهنا احمد

قصة مثيرة وفيها تنبيه قوي لنا نحن معشر الأولاد تجاه والدينا شكرًا للكاتبة

مروان ..

أسأل الله يعيننا على بر أمهاتنا وأبائنا ويجزيهم عنا خير الجزاء ..

نايف

تأمرين بشيء يا أمي ؟ .. يبدو أنه بهذا السؤال يرى أنه قام بالواجب تجاه أمه واكتفى ، البعض لايشعر بالتقصير تجاه والديه إلا بعد فقدهم .. لكن التذكير ببر الوالدين وذكر نماذج البر من الصالحين له أثره في النفوس .
يقول الله تعالى :
(ووصينا الإنسان بوالديه حسنا —)

الأم الصامتة

شكرا لاضافاتكم وجميل تعليقاتكم
وفق الله الجميع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *