الزواج الجماعي هو الحل

في أمسية ربيعية بسيطة، اجتمع عشرون شابًا وفتاة في قاعة واحدة، يلفهم الفرح وتغمرهم البهجة، يحتفلون بزواجهم ضمن أول مبادرة للزواج الجماعي في المنطقة.

لم تكن المناسبة فاخرة، لكنها كانت مفعمة بالبركة، والمودة، والرحمة. لم تحمل على كاهلهم ديونًا، ولم تضع أهاليهم في صراعٍ مع تكاليف تفوق قدرتهم.

كانت لحظة صدقٍ وعمل جماعي، وحين انتهى الحفل، خرج الجميع بشعور من الرضا، وكأن المجتمع تنفس سكينة جديدة.

إننا نعيش في زمنٍ باتت فيه مناسبات الزواج عبئًا اقتصاديًّا ومعنويًّا، حيث تتزايد التكاليف حتى تُثقل كاهل الشباب، وتُرهق الأسر، وتضع الكثير في زاوية العزوف عن الزواج أو التأخير فيه، رغم حاجتهم العاطفية والاجتماعية إليه.

وهنا تبرز فكرة الزواج الجماعي كحل واقعي، يراعي ظروف شبابنا، ويحترم طموحاتهم دون أن يهدمها بطلبات مبالغ فيها.

الزواج الجماعي لا يُخفّف فقط من التكاليف المالية، بل يمنح المجتمع فرصة لتنظيم وقته وموارده. ففي مجتمعنا، تُستنزف أيام الصيف، والعطل الدراسية، وحتى أوقات العمل، في حضور مناسبات الزفاف المتكررة، التي وإن كانت جميلة، فإنها تسرق من الأفراد فرصة الاستمتاع بإجازاتهم مع أسرهم، والسفر داخليًا وخارجيًا، والتقاط أنفاسهم بعيدًا عن ضوضاء الالتزامات الاجتماعية المتكررة.

في ظل هذه المعطيات، نرفع مناشدتنا المتكرره إلى مسؤولي المنطقة، لاحتضان هذه المبادرة وتفعيلها بشكل دوري ومدروس.

لماذا لا تُخصص القاعات والمرافق العامة في توقيت معين من السنة لدعم حفلات الزواج الجماعي؟ لماذا لا تكون هذه المبادرات جزءًا من برامج التنمية الاجتماعية التي تهدف إلى تقوية الروابط الأسرية وخفض نسبة العنوسة والعزوف؟

الزواج الجماعي ليس تقليصًا في الفرح، بل إعادة تعريف له، بحيث يصبح الفرح جماعيًا بحق، يمتد من العروسين إلى المجتمع بكامله، ويزرع ثقافة التعاون والتراحم بدلًا من ثقافة التباهي والمبالغة.

هو نموذج حضاري يعكس وعيًا اجتماعيًا متقدمًا، ويمنح شبابنا دفعة نحو الاستقرار دون أن يفقدهم التوازن المادي أو الزمني.

مسؤولو المنطقة الكرام، أنتم اليوم أمام فرصة عظيمة لتبني هذا الحل ودعمه بكل الوسائل الممكنة، عبر التشجيع الإعلامي، والتسهيلات اللوجستية، والدعم المعنوي. فحين تتضافر الجهود من أجل بناء أسرة متوازنة، فإننا نبني مجتمعًا أكثر تماسكًا، وأجيالًا تقدر الحكمة والواقعية، وتؤمن بأن الفرح الحقيقي لا يُقاس بالبذخ، بل بالنية الصافية والتكافل الصادق.

 

 

فايز حميد البشري

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *