قال الله تعالى في سورة غافر (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (19)
على العبد أن يستحضر هذه الأية في كل حين،
لتكون له حاجز بين الحلال والحرام،
ووقاية من الوقوع في المعاصي والذنوب والفواحش،
فإذا علم العبد أن الله يعلم خائنة الأعين،
كان أكثر حفظا لبصره،
وغض بصره عن كل ما لا يليق بالمؤمن أن ينظر إليه،
الخيانة حين ذكرت، وحتى إن كان العبد تقيا ولديه من الأمانة في أغلب الوقت،
حين يستشعر أن الله ذكر الخيانة في أية من أياته، يكون ذلك أدعى لتعظيم ما يظنه يسيرا عابرا لا يترك أثرا،
وينمي في قلبه الأمانة لهذه العين التي خلقها الله له،
فيحفظها عن الحرام،
يستشعر العبد أن الله يعلم ما تخفي الصدور،
فحتى إن كان الناس يخفى عليهم ما في صدره،
وكان في مأمن من علمهم وفي بعدِ عن لومهم،
فلا يكون ذلك سببا في تيسير المعصية والقبائح،
وتربة خصبة للنوايا السيئة، والشهوات المحرمة،
وأن يكون علم الله لما يخفي في صدره رادعا لكل رذيلة، فلا يسترسل مع كل فكرة وشعور ونية،
أن يستحضر أن الخلوات إنما هي خلوة من الخلق وأنه لا يخلو عبد في خلوة إلا كان رب الخلق معه شهيدا رقيبا عليما محيطا حسيبا،
كل شيء ينظر إليه العبد يترك أثرا،
وكل خاطرة تخطر عليه تترك أثرا،
وكل ما تكاثرت تلك النظرات والخطرات كلما تعاظم أثرها،
فإذا عظم أثرها ورثت الفساد في حجمها،
وكل ما فسدت دواخل العبد كان ذلك أدعى في فساد سلوكه،
فالعبد إن حفظ دواخله حفظ مخارجه،
فإذا كان الداخل مهيأ للفساد،
كانت هناك شعرة رقيقة تفصله عن الخارج،
إن وجدت تلك الفرصة لبثها إنتهكت حرمات الله،
لذلك جاء الدين بالوقاية من الأساس، ودرء الفتن والشبهات،
فإذا إستشعر العبد المؤمن معاني أسماء الله الحسنى وأستحضرها وأمن بها وتيقن بها،
كان في قلبه ما يحثه على العبادة والتقرب من الله وفعل الطاعات والخيرات،
وتعظيم الله وتقديره وإجلاله ومخافته وحبه وشكره،
وكان في قلبه ما يدفع بها الفتن والشهوات المحرمة، وما يتغلب به على هوى نفسه ونزغات الشيطان،
فإذا يسرت للعبد طاعة، علم أن هذه هداية وتوفيق من الله، فلا يشعر بالعجب بذاته وقدرته،
بس يشعر بالشكر وفضل الله ونعمته عليه،
وإذا يسرت له معصية يعلم أن هذا إبتلاء وإختبار من الله،
والسعيد كل السعد من نجح في هذا الإختبار،
والشقي كل الشقاء من خسر في هذا الإختبار،
قال الله تعالى في سورة المائدة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (٩٤)
تعرض الفتن على العبد المؤمن،
فتمسك بالتقوى تجد الفلاح والفرج من الله،
قال الله تعالى في سورة العنكبوت (أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ) (2) (وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ) (3)
فيستحضر إسم الله السميع،
فيدرك أن الله سميع،
فلا يلفظ بما لا يحل،
وأن يستحضر سمع الله له وهو يذكره، بالتسبيح والتهليل والحمد والتكبير والحوقلة،
أن الله يسمع دعاءه ومناجاته، وثناءه وشكواه،
أن الله يسمع صوته وهو يتلو أياته،
أن الله يسمع الخشوع والإنكسار وتأثرك في نبرات صوتك،
أن الله يسمع عبراتك وألمك في صوتك،
ويسمعك وأنترواقف بين يديه تصلي مابين وقوف وركوع وسجود وجلوس،
أن الله سميع بكل شيء،
يسمع همساتك وعلو صوتك ولا يخفى عليه منك شيء،
أن تستشعر أن الله بصير فتستحي أن تقدم على المعصية وهو ينضر إليك،
ويكون في قلبك من الحياء ما يمنعك من الجرأة على الله، في إنتهاك حرماته وتجاوزك لما حرم عليك،
أن يكون في قلبك من تعظيم الله وحبه ما يحثك على تقديم العبادة على أكمل أوجهها،
فيكون في قلبك الإخلاص له،
فتقبل على ما أقبلت عليه من عمل وقلبك مخلص بأنك تريد هذا العمل لوجه الله وحده،
وليس في قلبك شيء غيره،
فلا تريد سمعة، أو إستراق نضرة أحدهم، أو سماع ثناء أحدهم، أو طمع في شيء من مطامع الدنيا،
أن تدرك أن ما عند الله أعظم وأكرم من أي شيء دونه،
وأن الأخرة أجل وأكرم وأبقى من الدنيا الفانية،
أن تستشعر حين تمسك القرآن أن الله بفضله هداك ووفقك لهذا العمل،
وأكرمك بنزول هذا القرآن وتبليغه إليك،
وأنه كلام حق وهداية ورحمة وشفاء،
وأن الله بفضله يسره وأوجده،
أن تستشعر نعمة الله ليديك التي خلقها لك،
وأن من شكرك على هذه النعمة تستخدمها في طاعة الله والبعد عن معصيته،
فمن شكر النعمة إمساكك لهذا المصحف بيديك وعبادة الله بتلاوته، وعدم هجره والإنتفاع بهذا القرآن،
وتستشعر نعمة الله عليك أن وهبك صوتا حسنا ترتل به أياته،
وسخر لك من ينصت إليك فيطوله هذا الفضل من هداية ورحمة وشفاء فيكون لك أجره،
وأن وفقك الله لإستخدام نعمه عليك فيما يرضيه ويقربك منه ويرفعك في الدنيا والأخرة،
يكون الحمد في اللسان، والشكر بالجوارح،
فكل ذنب ترتكبه يبعدك عن شكر الله،
وتتنبه لأنك إستخدمت نعم الله عليك،
فيما لا يحل لك، وفيما نهاك الله عنه.
مقالات سابقة للكاتب