عمل أهل المدينة

يظن بعض غير المختصين بالسنة النبوية، أن الحكم على الحديث قبولا وردا لايحتاج إلا إلى معرفة درجة موثوقية الرواة فحسب، ولا يعلم أن هذه هي الخطوة الأولى والأسهل في دراسة الحديث، إذ يعقبها البحث في تاريخ كل راوٍ ومدى علاقته بشيخه الذي يحدث عنه، فقد يكون ثقة في بعض شيوخه دون بعض، وقد يظهر وجود خطأ بسبب مخالفته للثقات الذين رووا هذا الحديث، أو يثبت للناقد أنه لم يلتق به أصلا، أو غير ذلك من مئات العلل التي ألفت فيها كتب ضخمة..

لذا نجد الباحثين في السنة يصلون لمراحل متقدمة في طلب العلم، ومع ذلك فإن قلة قليلة منهم تتقن دراسة الإسناد، ثم هؤلاء المتقنون يختلفون كثيرا في النتائج التي يخلصون لها..

وبعد كل هذا الجهد، يحتاج ذلك الناقد إلى معرفة واسعة بالفقه وأصوله، ليحدد هل هذا الحديث قابل للعمل به أم لا، فما كل حديث ضعيف يرد لمجرد حكم باحث بضعفه..

وهذه المسألة يغفل عنها كثير من الناس (بما فيهم بعض المختصين في السنة) فالناقد للحديث إن لم يكن فقيها، لايحق له أن ينفي مقتضى الحديث بسبب ثبوت ضعفه لديه، إذ ضعف الإسناد لايلزم منه ضعف المتن، ولاسيما إذا كان معمولا به في زمن الرعيل الأول، الذين عاصروا من عاش وقت التنزيل، ولعل هذا ما أراده الإمام مالك بن أنس عندما كان يكرر قوله في كثير من المسائل: «وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا» وهو ماعُبر عنه في أصول المالكية بـ”عمل أهل المدينة”

والإمام مالك عندما يحتج بما عليه علماء المدينة، إن لم يجد نصا صحيحا صريحا في المسألة، فإنه يستند على قول وفعل شيوخه وهم كبار التابعين، مثل نافع مولى ابن عمر وسعيد المقبري ونحوهم

وكان الإمام أحمد (وهو من أهل بغداد) يفتي على مذهب أهل المدينة ويقدمه على مذهب أهل العراق، وإن لم يُنص في قواعده على ذلك، والإمام أحمد معروف بتقديمه الحديث الضعيف على الرأي (على خلاف في تعريف الضعيف عنده)، ولعل عمل علماء المدينة يؤكد أن لهذا الضعيف أصلا صحيحا، لقربهم من عهد الصحابة، وبعدهم عن خلافات علماء الرأي التي كثرت في العراق في عهد العباسيين خاصة..

ورغم هذا فقد سبق الإمام مالك عصره في تقبل الاختلاف، عندما أراد أبوجعفر المنصور أن يحمل الناس على مذهب مالك حتى لا يتنازعوا فرفض مالك وكان مما قال: “يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا؛ فإن الناسَ قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورَوَوا رواياتٍ.. فَدَعِ الناسَ وما هم عليه، وما اختار كلُّ أهل بلد منهم لأنفسهم”

والخلاصة؛ أن الحديث الضعيف إذا كان مشتهرا في القرون المتقدمة، وفي مدينة النبي r فلا ينظر إليه كما ينظر لما اشتهر لاحقا، لقرب ذلك الجيل من عصر التنزيل، وشهرة رواة ذلك العصر، وسهولة ضبط رجال الإسناد..

وهذا كله في الحديث الضعيف، الذي لايشك في عدالة رواته، لكن ربما تسلل إليهم الغلط والخطأ، فلم ترتقِ روايتهم لدرجة الصحيح، أما المتهم في دينه وصدقه، فلا يقبل حديثه في أي عصر كان.

أسماء بنت محمد الحميضي

جامعة الملك سعود

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *