🖋️ “بشروا بندر”.. وجاء الفرج بعد ما غابت السنين التسع، وجاءت لحظة الحياة من جديد، لحظة لا تُفسَّر إلا بأنها: رحمة من الله، وكرامة للصابرين، وفتحٌ لأبواب القلوب.
من خلف أسوار السجن، وداخل الزنازين الباردة، ووسط ضجيج الذنب وتأنيب الضمير، تنبت بذور التوبة، وتتشكل بدايات العودة، فكم من سجين خرج من محبسه بقلبٍ أصفى، وهمةٍ أعلى، ورؤيةٍ للحياة لم يكن ليبلغها لولا ذاك الانكسار.
إنه بندر وقصة بدأت لتكون الملهمة لما بعدها من عمر بإذن الله تعالى. شجار شاءت قدرة الله أن تزهق فيه نفس ليحل البلاء على الأسرتين، أسرة فقدت ابنها قتيلا، وأسرة جُرِّم ابنها قاتلا وحكم عليه بالقصاص، قضاء الله وقدره وحكمته التي لا يعلمها إلا هو، وهي في الأصل أجال محتومة في كتاب من قبل أن يبدأ الخلق. وبدأت القصة هنا في حياتين منفصلتين للغاية، كانت الأولى جهود مستميتة من أهل بندر وذويه وقبيلته، تعززهم مواقف مشرفة من ولاة الأمر ورجال الدين والمشايخ، وتدعمهم أيادي بيضاء سخية من رجال الأعمال وأعيان القبيلة ورموزها، والتفاف من أهل الخير من داخل الوطن وبعض دول الخليج. الهدف هو افتداء رقبة بندر وتحقيق مطالب أهل الدم، وكان الهدف تحديا بالغ الصعوبة ولكن لا مستحيل مع قدرة الله والتوكل عليه والاستعانة به والرجاء فيما عنده، وتوحيد الجهود وتكاتف الأيادي، ستة أشهر من التخطيط السديد، والتنفيذ مع التسلح بالقيم الأصيلة، والمبادئ النبيلة السامية، واستحثاث للهمم نحو بلوغ الغاية العظيمة. وفي الجانب الآخر، بعيدا عن كل مجريات الأحداث، يقضي بندر سنوات سجنه في استثمار عظيم، يكمل مسيرته الدراسية، ويحفظ كتاب الله، ليتربى في السجن تربية روحية تعيد صياغة ذاته، وترتب جميع أولوياته، لتبني فيه الصلابة النفسية فيكون هو المواسي المعزي لأسرته حال الفجيعة والوجع، والمثبت لهم وقت الانهيار.
وهنا تتجلى الحكم الإلهية، والدروس الربانية من وراء الابتلاءات بشتى أنواعها، لنتدبر ونقف خلف أسوار الأحداث متأملين عظمة الخالق وقوة تدبيره وتسخيره، نتتلمذ على يد الصبر أعمق الدروس التي نحتاجها لمجابهة تقلبات الحياة، نتعرف على ذواتنا التي نتوهم أنها ستنهار حال المصيبة، ونتحسس ألطاف الله ورحماته في ثنايا الحدث مهما كان موجعا، فندرك يقينا أن حقيقية الحياة لا تتجلى إلا وقت الأزمات، وأن جوهر النفس البشرية تصقله التحديات العظيمة، وأن المواقف الإنسانية هي المحك الحقيقي الذي تبرز من خلاله القيم الأصيلة، فالبذل والعطاء أيا كان نوعه، ومهما كانت غايته هو مبدأ أصيل من مبادئ ديننا الإسلامي القويم، ويتعاظم هذا العطاء حتى يصل إلى ذروته (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).
✦ الرسالة لنا جميعًا
“فَارْتَدَّ بَصِيرًا” ليست فقط قصة نبي، بل رسالة لكل مهموم: الله قادر أن يعيد إليك ما ظنته ضاع، وأن يجبر كسر قلبك في لحظة.
“فَارْتَدَّ بَصِيرًا” سجين ينتظر حكم القصاص، وكل يوم يظن أنه الأخير. عاش أياما طويلة بين خوف وترقب، بين أمل لا يُطفأ، ويقين لا ينكسر، حتى إذا ما بقي بينه وبين التنفيذ أيام أو ساعات، جاءه الخبر الذي لا يُصدق: “تم العفو… عُتقت رقبتك”
هنا… لا يُقال فقط: نجا، أو خرج، أو بُرئ، بل يُقال كما قيل ليعقوب: “فَارْتَدَّ بَصِيرًا”
الحياة بعد العتق ليست مجرد خروج من السجن، بل هي ولادة جديدة، من ظلمة الموت إلى نور الحياة، مرورا بتجربة الاختناق الكامل: فقد للبصر، وفقد الأمل بالحياة.
التشبث بأمل خافت لا يُرى، لكنه موجود. النجاة في لحظة ربانية لا تفسير لها إلا أنها: رحمة من الله، وكرامة للصابرين، وفرج يُذهل العقول، ويوقظ القلوب.
مقالات سابقة للكاتب