في إحدى ليالي الصيف، وقف “سالم” أمام قاعة فاخرة في الرياض، يراقب الحشود وهي تتوافد على زفافه. لم يكن يشعر بالفرح، بل بالقلق. فقد اقترض عشرات الآلاف ليحجز القاعة، ويدفع للمطربة، والفرقة الشعبية، والشاعر، ويغطي تكاليف الضيافة والديكور. قال له أحد أصدقائه هامسًا: “زواجك أجمل من حفلات بعض المشاهير!” ابتسم سالم بمرارة، وهو يعلم أن شهر العسل سيبدأ بسداد الديون، لا بالسفر.
الإسراف، كما نعرفه، لا يقتصر على المأكل والمشرب، بل يتسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية، ويبلغ ذروته في مناسبات الزواج التي تحوّلت من لحظات فرح إلى مشاريع استنزاف مالي. لم يعد المهر مجرد تعبير رمزي عن التقدير، بل أصبح رقمًا يتنافس فيه أولياء الأمور، وكأنهم يعرضون سلعة لا شريكة حياة. ولم تعد حفلة الزواج مناسبة عائلية بسيطة، بل مهرجانًا تتسابق فيه الأسر على حجز القاعات الفارهة، واستقدام الفرق الشعبية، والمطربين، والشعراء، في مشهد يطغى فيه التفاخر على المعنى الحقيقي للارتباط.
هذا التمدد في مفهوم الإسراف لا يرهق الأزواج فحسب، بل ينعكس على المجتمع بأكمله. فالشباب المقبل على الزواج يجد نفسه أمام حاجز مالي ضخم، إما أن يتجاوزه بالاقتراض، أو يؤجل حلمه، أو ينسحب من فكرة الزواج تمامًا. أما من يغامر ويخوض التجربة، فغالبًا ما يبدأ حياته الزوجية مثقلًا بالديون، مما يخلق توترًا مبكرًا في العلاقة، ويحوّل البدايات إلى صراعات حول السداد والتقشف.
في المقابل، يرسّخ هذا النمط من الإسراف ثقافة اجتماعية مشوّهة، تُقاس فيها قيمة الزواج بمدى فخامته، لا بمتانته. وتُشعر الطبقات الأقل دخلًا بالعجز أو النقص، وتُضعف الروابط الأسرية حين تتحول المناسبات إلى سباق استعراض، لا لقاء محبة.
إننا بحاجة إلى إعادة تعريف الفرح، والكرم، والمكانة، بعيدًا عن مظاهر الترف التي لا تضيف قيمة حقيقية، بل تسرق الاستقرار وتشوّه المعاني. فالزواج ليس صفقة تجارية، بل شراكة إنسانية، وكل ريال يُصرف بلا حاجة هو خصم من رصيد السعادة. فلنعد للمقاصد، ونترك المظاهر، ونمنح الحب فرصة أن يبدأ خفيفًا، بلا ديون ولا استعراض.
فايز حميد البشري
مقالات سابقة للكاتب