بقافية مواتية ولغة مطاوعة وثراء لفظي وحافز نفسي للحضور الاجتماعي، ينطلق الشاعر الدريهم مترجماً مشاعره الوجدانية التي تنبض بالصدق وإن استسهلت ألفاظها، وتعبق بالحب وإن تسارعت خطواتها، ستجد نفسك تمضي مع ديوانه الجديد (ترجمان الوجدان) من أول ملامسة له عبر صفحة الغلاف الخارجي التي حملت العنوان الذي يعلو صخرة ابن عمار المعروفة بـ (قارة ابن عمار) التي عاش بها الشاعر المتوفى سنة 1351هـ زمنا بعدما جافى مجتمعه، وهو صاحب الألفية الشعبية الشهيرة المعروفة بألفية ابن عمار، ووضع الصورة على الغلاف يشي بالانتماء والامتداد والحلم والغربة.
أما الإنتماء فلثادق التي ولد بها ابن عمار وينتمي لها شاعرنا الدريهم، وأما الامتداد، لشعوره بكونه امتداد لذاكرة الشعر في ثادق، وأما الحلم؛ فهو تطلع الشاعر إلى الخلود والرسوخ في ذاكرة مدينته كرسوخ ابن عمار، وأما التوحد في الغربة؛ فلكونهما يشعران بشيء من المرارة المجتمعية إزاء أدبهما وأفكارهما.
ويأتي عنوان الديوان (ترجمان الوجدان) أعلى قارة بن عمار، وكأنه تعبير على أن الشعر سماوي في ملكته؛ فلا تستهلك أو تبتذل، سماوي في قيمه ومشاعره؛ فلاتدعى أو تفتعل، وعند تأمل الغلاف الخارجي تبرز صورة الشاعر واقفا خلف المنبر، وفي ذلك مافيه من تأكيد الانحياز للنصوص المنبرية.
وندلف إلى الإهداء فنجده عاماً دون تحديد لشخص بذاته، وفاء لمن سانده، واستنهاضاً لمن يتأمل وقوفهم ومساندتهم قادمًا، الديوان قرض له الأديب والشاعر الدكتور فواز اللعبون بمقدمة رشيقة، وعندما نجول بين قصائد الديوان نجده حرص على ترتيب النصوص زمنيا حينًا وترك ذلك حينًا، ويتجلى الانحياز شبه الكلي للشكل البيتي أو التناظري في القصيدة.
كما لايخفى الحس الإجتماعي العالي في مشاركات أطياف المجتمع مناسباتهم ومواقفهم الحياتية ولذلك دلالاته!.
ولربما انعكست هذه النزعة التشاركية على النصوص فجاءت متراوحة بين الإنفعال والإفتعال، وبين التلقائية والصنعة، وبين انسيابية القافية وقسرها، يشتمل الديوان على الكثير من الإخوانيات التي تعكس حب الشاعر لمن حوله وحبه للشعر، وحافزه المستمر للتعبير عن ملكته الشعرية، كما تبرز فيه ومضات وإضاءات من الحكمة المكتسبة من معترك الحياة كقوله:
زامر الحي لم ينل ماتمنى
ولو تغنى بفنه من تغنى
وهو من المثل (زامر الحي لايطرب)
ومنها قوله:
ومن حرم التواضع بين ناس
أتاه النقص من كل الزوايا
وتشهد قصائد الديوان بوفرة قراءات الشاعر في الشعر العربي القديم، وثقافته، ولذلك تبرز جزالة الألفاظ وثراء المفردات وتنوع المنتهل.
كما يبرز الحس الأخوي والروح المفاكهة المشاركة من خلال العديد من المساجلات التي اشتملها الديوان، واشتمل ضمن ما اشتمله نصوصا تعبر عن الانتماء الوطني والعروبي والإسلامي.
الديوان جاء وافراً بالنصوص حتى وصلت صفحاته 322 صفحة، ويعد الديوان الثالث للشاعر، وجاءت نصوصه ممثلة له، ولروحه المحبة ولقلبه المنفتح على الجميع.
ولأن الشاعر الدريهم شاعر مطبوع، فلدي يقين بأنه قادر على كتابة نصه الخاص النابع من أعماق أعماق الذات دون تكلف أو استعجال، ولعلنا نترقب ديوانه القادم الذي يشكل علامة فارقة في مسيرة عطائه الشعري، متى وضع ذلك في حسبانه!
د. سعد بن سعيد الرفاعي

مقالات سابقة للكاتب