في أحد أحياء المدينة القديمة، كان “أبو يوسف” رجلًا مسنًّا لا يملك من الدنيا إلا قلبًا عامرًا بالحب، ولسانًا رطبًا بذكر الله. لم يكن له مالٌ يُنفقه، ولا جاهٌ يُشار إليه بالبَنان، لكنه كان يوزّع ابتسامته على المارّة، يزور المرضى، ويجلس أمام بيته يذكر الله بصوتٍ خافت يملأ المكان طمأنينة. لم يكن يعلم أن ما يقدّمه من “شيء” سيُخلفه الله له بأضعاف، حتى جاء اليوم الذي غاب فيه عن مجلسه، فامتلأ الحي بالسؤال عنه، وتوافد الناس لزيارته، يخدمونه ويذكرونه بخير. لقد أنفق شيئًا لا يُشترى بالمال، فخلفه الله بما لا يُقارن.
هنا تتجلّى عظمة قوله تعالى: “وما أنفقتم من شيءٍ فهو يُخلِفه وهو خير الرازقين”. فالله لم يقل: “وما أنفقتم من مال”، بل قال: “من شيء”، ليشمل كل ما يُبذل في سبيله، مهما بدا بسيطًا أو غير مادي. فكل ما يُنفق لله، من وقتٍ أو جهدٍ أو مشاعر أو ذكر، هو في ميزان الله عطاءٌ يُخلفه بخيرٍ منه.
فإن أنفقت محبةً صادقة، دون رياء أو انتظار مقابل، فإن الله يزرع لك القَبول في قلوب الناس، ويجعل لك ذكرًا طيبًا في الأرض. ألم يقل النبي ﷺ: “إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: إني أحب فلانًا فأحبه…” فما أعظم أن يكون خلف المحبة محبةً من السماء تُنثر في قلوب الخلق دون أن تطلبها.
وإن أنفقت من وقتك لحظةً تذكر فيها الله، فإن الله يخلفك بذكرٍ أعظم، كما في الحديث: “من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خيرٍ منهم”. فأيُّ خلفٍ أعظم من أن يذكرك الله في الملأ الأعلى؟ أن يُصبح اسمك يُتلى في السماء، لأنك ذكرته في الأرض.
وإن أنفقت من وقتك لزيارة أخيك المسلم المريض، فإنك لا تزور إنسانًا فقط، بل تزور الله، كما في الحديث القدسي: “يا ابن آدم، مرضتُ فلم تَعُدني…”. فمن وجد الله عند المريض، فقد نال خلفًا لا يُقارن، وفتح له بابًا من الرحمة لا يُغلق.
وهكذا، تتسع دائرة الإنفاق لتشمل كل ما يُبذل لله:
إنفاقك ابتسامةً في وجه مهموم، يخلفها الله فرجًا في يومٍ كنت فيه أنت المهموم.
إنفاقك كلمةً طيبة في مجلسٍ يغلب عليه السلبية، يخلفها الله نورًا في قلبك وقلوب من حولك.
إنفاقك جهدك في خدمة محتاج، يخلفه الله قوةً في بدنك وبركةً في وقتك.
إن الإنفاق في ميزان الله لا يُقاس بالكمّ، بل يُقاس بالنية والصدق. فكل “شيء” تنفقه لله، يخلفه الله بخيرٍ منه، في الدنيا قبل الآخرة. فلا تحقرنّ من المعروف شيئًا، فإن الله لا يُضيع أجر من أحسن عملًا.
فيا من تظن أن العطاء لا يكون إلا بالمال، تأمّل في “شيء” كالذي تملكه، وامنحه لله، تجد خلفه ما يُدهشك، ويُبهرك، ويُغنيك .
فايز حميد البشري
مقالات سابقة للكاتب