رمضان بين عبادة الجوع وضجيج الموائد

الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم تنزيله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي علّم الأمة كيف تعبد ربها بميزان دقيق، لا إفراط فيه ولا تفريط، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

إذا كان الصيام قد شُرع لتحقيق التقوى، فإن أول ما ينبغي التنبه له أن هذه الغاية لا تُنال بكثرة الطعام، بل بضبط العلاقة معه. فالتقوى في حقيقتها كفٌّ قبل أن تكون فعلاْ، وتخفّف قبل أن تكون امتلاء، ولهذا جاء رمضان ليُعيد ترتيب أولويات النفس، لا ليُضيف عبئًاْ جديداْ إلى شهواتها.

غير أن الواقع يكشف عن مفارقة لافتة؛ فكلما اقترب رمضان، تقدّم الاستعداد الاستهلاكي على الاستعداد الروحي. أسواق مزدحمة، وقوائم مشتريات طويلة، ومبالغة في شراء مستلزمات الطهي، وكأن الصيام نقصٌ يحتاج إلى تعويض، لا عبادة تُقصد لذاتها. وهذا السلوك لا يمكن عزله عن تصور غير دقيق لمعنى الشهر، حيث يُنظر إليه بوصفه شهر أكلٍ مؤجل، لا شهر تربية على الاكتفاء.

ومع دخول رمضان، يتكرس هذا التصور عملياْ. ساعات طويلة تُستنزف في المطابخ، لإعداد أصناف متعددة، تفوق حاجة الجسد، وتتناقض مع مقصد الصيام. وفي هذا الموضع تحديداْ يبدأ الخلل الحقيقي؛ إذ تتحول العبادة من وسيلة لضبط الشهوة إلى مناسبة تُدار حولها الشهوة نفسها.

ثم لا يكتمل المشهد إلا حين تنتقل الموائد من البيوت إلى الشاشات. تُرتَّب الأطباق، وتُلتقط الصور، وتُنشَر على وسائل التواصل الاجتماعي، فيتحول الإفطار من نعمة تُقابل بالشكر إلى عرضٍ اجتماعي تُقاس قيمته بعدد الإعجابات. وهنا ينتقل السلوك من كونه عادة مباحة إلى كونه ممارسة تُعيد تشكيل الوعي العام حول معنى رمضان، دون أن نشعر.

في هذا السياق، لا يمكن تجاوز الهدي النبوي، لأنه لا يقدّم مثالاْ مثالياْ بعيداْ عن الواقع، بل يضع معياراْ عملياْ ضابطاْ. فقد لخّص النبي ﷺ فلسفة الطعام في قوله:

«ما ملأ آدمي وعاءً شرّاْ من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه»، فجعل الاكتفاء هو الأصل، لا الامتلاء. ولم يكن هذا التوجيه منفصلاْ عن العبادة، بل مرتبطاْ بها ارتباط السبب بالنتيجة.

وهنا تتضح العلاقة التي يغفل عنها كثيرون: ثِقَل الطعام لا يؤثر في الجسد فقط، بل ينعكس مباشرة على الصلاة. فالمعدة الممتلئة تُضعف الخشوع، وتثقِل القيام، وتحوّل التراويح من لحظة قرب إلى مجاهدة جسدية. ولهذا لم يكن هدي النبي ﷺ في الإفطار مجرد عادة غذائية، بل اختياراْ تربوياْ يخدم العبادة.

ومن هذا المنطلق، يكون الأقرب إلى روح الصيام أن يبدأ الإفطار خفيفاْ؛ تمرات تقيم الجسد، وماء يروي الظمأ، ثم يتجه المسلم إلى الصلاة بقلب حاضر ونفس مطمئنة. وبعد أداء العشاء والتراويح، لا حرج أن يتناول طعامه المعتاد. فبهذا الفهم، يعود رمضان إلى حجمه الطبيعي: شهر تتغير فيه مواعيد الطعام، لا فلسفته ولا مركزه في الحياة.

أما حين نقلب المعادلة، فنصوم نهاراْ لنُفرط ليلاْ، ونخفف العبادة لنُكثّف الموائد، نكون قد حافظنا على شكل الصيام، وخسرنا أثره. وهنا يصبح السؤال ضرورياْ لا تجميلياْ:

هل نأكل لنقوى على الطاعة؟

أم نطيل الطاعة شكلياْ، ثم نُفرغها من مضمونها عملياْ؟

إن رمضان لا يُقاس بطول السفرة، ولا بتعدد الأصناف، ولا بحضور الصور، بل بما يُحدثه في النفس من انضباط، وفي السلوك من وعي، وفي العلاقة مع الله من قرب. ومراجعة عاداتنا الغذائية في هذا الشهر ليست مسألة ذوق شخصي، بل مسألة فهم لمقصد العبادة.

رمضان لا يحتاج موائد عامرة بقدر ما يحتاج قلوباْ عامرة.

ولا يحتاج ضجيجاْ اجتماعياْ بقدر ما يحتاج سكينة داخلية.

ومن أدرك هذه الحقيقة، خرج من رمضان أخف جسداْ، وأصفى روحاْ، وأقرب إلى الله.

محمد عمر حسين المرحبي

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *