الرياضة السعودية.. من صخب المدرجات إلى ضجيج الاتهامات

في السنواتِ الأخيرة، أصبح التعصّب الرياضي في الدوري السعودي ظاهرة لافتة تستحق الوقوف عندها والتأمل في أسبابها وآثارها. فالمنافسة في أصلها قيمة إيجابية تُضفي على الرياضة متعة وإثارة، وتدفع الأندية واللاعبين إلى تقديم أفضل ما لديهم. لكن حين تتحول المنافسة إلى تعصّب أعمى، فإنها تفقد روحها الرياضية وتتحول إلى حالة من الاحتقان والخصومة التي لا تخدم الرياضة ولا المجتمع.

ما يُلاحظ اليوم أن التعصّب لم يعد يقتصر على حدود التشجيع داخل المدرجات، بل تجاوز ذلك إلى مستويات أكثر حِدة، وصلت إلى التشكيك في الذمم والنوايا؛ سواء تجاه الحكام أو اللجان أو حتى الإداريين. وهذا النوع من الخطاب يُعد خطيراً، لأنه يضرب في صميم الثقة بالمنظومة الرياضية. إن مشروعنا الرياضي اليوم يقوم على رؤية طموحة تسعى إلى ترسيخ حضوره في الساحة العالمية، والتشكيك في النزاهة لا يمس نادياً بعينه، بل يخدش سمعة الدوري وبيئته الاستثمارية التي نسعى لتكون وجهة مفضلة لنجوم العالم وصناعة الاستثمار الرياضي في وطننا الغالي.

ولا يمكن إغفال الدور الذي لعبه بعض الإعلام الرياضي في تغذية هذه الحالة. فبدلاً من أن يكون الإعلام منصة للتوعية، تحوّل في بعض الأحيان إلى ساحة الجدالات العقيمة وإثارة الجدل، حيث تُقدَّم الآراء بأسلوب متشنج يُشعل الجماهير أكثر مما يُرسّخ قيم الروح الرياضية. وهنا تكمن المسؤولية التربوية؛ فالمدرجات ومنصات التواصل تضم أجيالاً ناشئة تتأثر قيمها بهذا الضجيج، وتكرار هذا الخطاب يغرس فيهم القيم العدائية ويحوّل الاختلاف في الميول إلى قطيعة اجتماعية لا تليق بمجتمعنا.

كما ينبغي التذكير بأن الرياضة في أصلها وُجدت للتسلية والترفيه وبث روح المتعة بين الناس، وليست ميداناً للخصومات أو تبادل الاتهامات والشتائم. ومن المؤسف أن يتحول تشجيع فريقٍ ما إلى سببٍ لإطلاق العبارات الجارحة أو الوقوع في الغيبة والبهتان، وقد قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا﴾،
كما قال سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.

وفي التحذير من إطلاق اللسان والتعدي على الآخرين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»،
وقال صلى الله عليه وسلم: «وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم».

فالرياضة لحظات فرحٍ ومنافسات عابرة، بينما تبقى الكلمة الجارحة أثراً في الذمم. وهنا تبرز حقيقة يغفل عنها كثيرون: أن اللعبة في أصلها أبسط مما نتصور، فهي ليست إلا وسيلة ترفيه، مجرد كرة تُركل بالأقدام، لا تستحق كل هذا الضجيج ولا ذلك الاحتقان. ومع ذلك، قد يتحول النقاش حول فريقٍ أو مباراة إلى سببٍ لارتفاع الضغط، واشتداد الغضب، وخسارة شيءٍ من الصحة، بل وربما خسارة أحباب وعلاقات لا يمكن أن تُعوَّض.

لذلك من الحكمة أن يتذكّر المشجع دائماً أن مباراةً تنتهي بعد تسعين دقيقة، لكن الكلمة التي تُقال قد تبقى في صحيفة الأعمال، فلا تجعل لحظة حماس عابرة تُثقل ميزانك بما لا يليق، ولا تجعل تشجيع فريقك سبباً في إحباط حسناتك.

إن الرياضة في جوهرها رسالة أخلاقية قبل أن تكون منافسة على البطولات. ولذلك فإن المطلوب اليوم هو تعزيز ثقافة الروح الرياضية، وترسيخ فكرة الانتماء للنادي لا يعني العداء للآخرين. وعلى الإعلام الرياضي والمؤثرين أن يدركوا أن كلماتهم لا تقف عند حدود الشاشة، بل تمتد لتؤثر في آلاف المتابعين، ومن هنا تأتي أهمية الخطاب المسؤول الذي يضع مصلحة الرياضة فوق أي اعتبار.

ولذلك يجدر بنا أن نستحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»،
فالكلمة مسؤولية، والطرح أمانة، والتأثير الذي يصنعه الإعلام أو المشجع قد يبني وعياً أو يهدمه.

في النهاية، ستبقى الرياضة مجالاً للتنافس المشروع، لكن جمالها الحقيقي يظهر عندما تكون المنافسة شريفة، والاختلاف محترماً. فالأندية قد تختلف في الألوان، لكن الرياضة تجمع الجميع تحت قيمة واحدة: وهي قيمة الاحترام قبل الانتصار. ويبقى السؤال الجوهري: هل نحن مستعدون فعلاً كإعلام وجماهير لمواكبة هذه النقلة النوعية في رياضتنا بعقول منفتحة ووعي يليق بطموحنا العالمي؟

كاتب العنزي

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *