خليص في التاريخ المنسي (٤٢)

قراءة في الذاكرة
ليس ثمة اختلاف بين خليص وجيرانها من القرى في الاحتفاء بالعيد، سوى تفصيلات صغيرة نذكرها في سياق الحديث. ونحن هنا نخص عيد الفطر؛ فهو الأوسع احتفالية، والأقرب إلى مظاهر الفرح منه إلى الطقس العبادي كعيد الأضحى، وإن كان في جوهره احتفالًا بتمام الصيام والقيام. فالعيد في القرى الحجازية لم يكن مجرد مناسبة دينية، بل كان حدثًا اجتماعيًا.
وبين القديم والجديد تمايزات في التعاطي على مستوى التعبير والممارسة؛ فلم تكن البيوت قديمًا مسوّرة كالسجون، بل كانت فضاءات مفتوحة للجميع. يدخل الجار على جاره دون موعد، فيجد القهوة على حواف الموقد ساخنة، بجوار التمور والحلويات الشعبية، وربما وجد راعية البيت تقوم بواجب الضيافة، بينما زوجها يطوف بيوت الحي للتهنئة بالعيد. ولا مشاحة في ذلك؛ فقد اعتادت نساء الحي عليه، وكانت أمي تفعل ذلك — وما أدراك ما أمي، حبيبة بنت عبدالصمد الشيخ العقيلي!
ومن أجمل ما يميز العيد في خليص قديمًا أن المجتمع كان يبدو وكأنه بيت واحد؛ يتوزع أفراده على مناشط العيد: الرجال يتزاورون، والنساء يجتمعن لتجهيز الطعام، والشباب يمرحون في الساحات والمزارع، والأطفال يطوفون بين البيوت يجمعون “العيديات”، وهي في الغالب نقود، وكانت يومها — رغم قلتها — ذات شأن، لشح السيولة، في ظل وفرة من المعاش الغذائي وما يغطي الضرورات ويسند الاكتفاء الذاتي.
وقد اعتاد الناس توقيت بعض الزيجات والمناسبات أيام العيد، مستفيدين من الإجازات واجتماع الناس وسياقات المباح. ولعلنا نذكر ما يسمى بـ“الفِطرة”، التي تسبق صلاة العيد، وتقام في منزل كبير العائلة. ولا تزال تفاصيلها عالقة في الذاكرة؛ إذ كنا نتسابق للحضور عند خالي الشيخ حسن بن عبدالصمد، كأنما نجدد البيعة ونتقاسم التهنئة باستمرار الحياة.
وفي بعض القرى، تُقام عند إمام المسجد، كما كانت في قريتي “أم الجُرْم”، حيث يتوافد أبناء القرية على منزل خالي الشيخ عبدالسلام بن عبدالصمد، وكل يحمل من طعام بيته ما تعارف عليه الناس في هذه المناسبات، وغالبه: الشعيرية، القطايف، المرقوق، المعدوس. وجرت العادة أن يتذوق كل فرد “فِطرة” الآخر، تعبيرًا عن المشاركة والاستحسان.
وفي صفين متقابلين، يتناوب الحضور الغناء على لحن “المجرور” المتوارث، واللصيق بهذه المناسبة، ثم يشدّون الرحال — كقافلة الحجاج — على جمال تتباهى بزينتها، إلى المصلى، أو “المشهد” كما يستطيبون تسميته.
ومن اللافت تسميتها بـ“الفِطرة”، ولعلها تذكير ضمني بالإفطار في رمضان، وإحلاله في توقيت معاكس (الصباح بدل المغرب)، كأنما هي إشارة إلى استعادة الطابع اليومي للحياة، وأننا لا نزال في طقس عبادة.
هذه السردية الاحتفالية تغيّرت مع التحول الذي أربك النسق الثقافي وتحرك خارج أقواسه؛ فقد دخلت وسائل التقنية ومخرجاتها على المنظومة القديمة، وأصبحت التهاني عبر الهاتف ووسائل التواصل. واستجدت مظاهر جديدة، كإقامة الاحتفالات في الحدائق والساحات وقصور الأفراح، والفعاليات التي تتشارك فيها الجهات الرسمية والأهلية.
لكن، ورغم التباين بين الحالتين، تظل روح العيد هي القاسم المشترك الذي يجمع أبناء خليص جيلًا بعد جيل.

 

وكل عام وأنتم بخير
محمد علي الشيخ

مقالات سابقة للكاتب

2 تعليق على “خليص في التاريخ المنسي (٤٢)

أحمد بن مهنا الصحفي- أم الجرم

أدركت بعض هذه الصور التي أبرزها الكاتب بإجادة وبحروف كبيرة أحيانا ! ومع تشابه تلك الفعاليات المتعلقة بالعيد في البيوت إلا أن هناك بعض الاختلافات ولعل ذلك يؤكد لنا أن الثقافات حتى على مستوى البيوت المتجاورة وفي قرية واحدة تختلف ! فقرية أم الجرم والتي يشاركنا السكنى فيها الكاتب القدير وعشيرته منذ سنين طويلة ، فيها حيان كبيران ( الصحفي الحنوبي – الصحفي الشمالي ) ومع صلات القرابة القوية بين ساكنيها إلا أنه ثمت اختلاف كذلك في العادات وفعاليات العيد بينهم وإن كان يسيرا إلا أنه مؤشر على أثر الثقافة في سلوك الناس !
ولقد كنا نجتمع – نحن أهل حي الصحفي الشمالي – في بيت جدي الأمير فالح بن رائد الصحفي للإفطار يوم العيد والمكان يضج بالتكبير من قبل الرجال ، ونسمع همس أمهاتنا به ، ويأمروننا- نحن الأطفال – أن نكبر مثلهم .
– لقد أثار هذا المقال بجماله ذكريات طفولة وبعث صورا من خبايا الفناء ورميم الزمان ، فاستمتعت كثيرا ! وشكرا للكاتب القدير الأستاذ محمد علي الشيخ هو دائما صاحب إبداع وأدبية يتفرد بها كثيرا .

متابع

سرد جميل وتصوير بارع كعادة الكاتب حفظه الله
لكن لاحظت بعض الفروقات حيث أنني من غران فعندنا نسميها الفُطرة بضم الفاء وليس بكسرها.
أيضاً عندنا تقام بعد صلاة العيد وليس قبله. ولكن أن تكون الفطرة قبل صلاة العيد فهذه معلومة أعرفها لأول مرة من خلال هذا المقال والوقت قبل الصلاة ضيق ولا أعلم كيف كان يكفي !
شكراً لكاتبنا القدير على مقالاته الممتعة، وشكراً لصحيفتنا الغراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *