الصلاةُ خيرٌ من النوم؛ إيذانًا بانطلاق يومٍ جديدٍ، وعهدٍ متجدّد، بدأ بذكر الله، مع بزوغ الفجر وأشعته التي انطلقت في فضاء الكون؛ لتزيده بهجة وضياءً، وتهاجم الظلام الذي أخذ في الانحسار أمام ضوء النهار وبيانه.
صباح الفجر يوم مشرق انطلقت أشعة الشمس وضوؤها في الفضاء الكوني؛ لتملأه دفئًا وحياة دؤوبة في سعي حثيثٍ لعمارة الأرض وبنائها التي أمرنا الله بها.
في الفجر تتجلى معاني البناء واستشراف يوم جديد يتطلع الإنسان إلى أن يكون لبنة في المعرفة الإنسانية وبنائها وتطويرها.
مع الفجر تكبر الأماني، ويستعد الإنسان للعمل الدؤوب في حركة الكون، ينجز ما يُطلب من مهام وأولويات في حياته؛ ليشارك في صناعة المستقبل بهمّةٍ عالية، ورغبةٍ جامحة لا تتوقف في مسيرتها نحو البناء والإصلاح والتطور.
نورُ الفجر ضياءٌ وبهجةٌ وامتدادٌ لأيام سعى الإنسان نحوها في بهجة وسعادة لتحقيق ما يريد ويرغب في تحقيقه.
فالفجر بأشعته التي تملأ الكون، يعيدُ الإنسان في تخطيطه وبرامجه وأعماله التي يسعى إليها ليشارك ويساهم في بناء المجتمع بما يملك من إمكانات تسهم في إنجاز أعماله وتحقيق أهدافه.
وضياء الفجر بنوره يهاجم الليل ودلجته؛ ليبدأ في الانحسار رويدًا، ويبدأ وجه النهار في طلوعه وبيانه، فتدب الحياة في الكون رويدًا رويدًا في حركة دؤوبة لا تهدأ أبدًا، فجميع المخلوقات تبدأ من السكون إلى الحركة وعمارة الكون.
فسبحان الخالق! الذي أودع في هذا الكون أسراره وعلمه ونظامه الدقيق في تناغم عجيب وتواصل سريع؛ ليتدبر الإنسان هذا الكون، فيزيد إيمانه برب هذا الكون!!
الفجر يأتي بعد ظلمة الليل وسكونه وهدوئه الذي خصّه الله بالعديد من الصفات والمزايا؛ أنه سكن للنفوس، واستعادة طاقته وقوته بعد جهد بدني ونفسي تحتاج النفس إلى الهدوء من أجل الاستمرارية في تأدية رسالتها التي اختص الله -سبحانه- بها الإنسان في عمارة الكون وبنائه.
مع الفجر تتجلى حكمة التغيير والتحول في حياة الإنسان التي أوجدها الله سبحانه وتعالى، فالتغيير من طبيعة الإنسان، فمن حياة الليل الذي فيه سكون وهدوء واستعادة الجسد قدراته وقواه إلى النهار الذي هو معاش، ويميز بالعمل الدؤوب والجهد المتواصل من بزوغ الفجر إلى أن يحين المساء، وظلمة الليل التي تهاجم نور النهار وضوءه؛ لتسكن الأنفس، وتستعيد مرة أخرى عجلة الحياة.
فمع طلوع الفجر وبيانه الذي يشق الفضاء الكوني يشعُّ فيه الدفء الذي ينتشر في هذا الفضاء، فتخرج الطيور من أعشاشها؛ لتشق طريقها في سماء الكون، تبحث عن طعامها وشرابها؛ لتغدو خماصًا وتعود بطانًا إلى أكنانها، كأنها على موعدٍ مع حياة الترحال من مكانٍ إلى آخر لا يعود بها إلى موطنها إلا عندما يحل الليل وسكونه؛ إيذانًا بحياة جديدة تتميز بالهدوء من أجل استكمال دورة الحياة.
في الفجر نورٌ وبيانٌ وحكمٌ عظيمة أودعها الله -سبحانه وتعالى- في هذا الفضاء الكوني، مع بزوغ الفجر الذي يعلن انطلاق يوم جديد وأمل جديد، وحياة تتسم بالدف والعمل الدؤوب من أجل عمارة الكون وبنائه الذي يتطلب من الإنسان المشاركة فيه وعمارته، تتجلى فيه منافع كثيرة للإنسان في الصحة وتبادل المنافع من خلال هذه الأشعة الذهبية التي تعيد الحياة فيه، وتتسابق للزحف على الكون وانحسار الظلام، وإعلان يوم جديد.
عندما يستشعر الإنسان وجوده في الحياة ورسالته في إعمار هذا الكون وفق منهج الله سبحانه، بلا شك سيجد للحياة معنى وقيمة ومساهمة في بنائه من خلال المحافظة على الوجود الإنساني والعمل الدؤوب في النهار، والسكون في الليل؛ لتستمر الحياة في عطائها وتدفقها بالمتعة والسرور الذي يتجلى في خلق المسلم وإيمانه ووجوده فيها، ففي الليل سكونٌ وهدوءٌ واستعادةُ طاقة، ومع بزوغ الفجر وحيَّ على الفلاح سعيٌ وعملٌ وعمارةٌ للأرض.
فهنيئًا لأهل الفجر وإخوانه …
أ.د. محمد بن حارب الدلبحي
عضو هيئة التدريس بجامعة شقراء
مقالات سابقة للكاتب