اليوم العالمي للركض… صحة وحياة

في الثالث من يونيو من كل عام، يحتفي العالم بـ«اليوم العالمي للركض»، وهي مناسبة سنوية تجسد فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها: أن الحركة قد تكون بداية حياة جديدة. وفي هذا اليوم تتوحد خطوات الملايين حول العالم في مشهد إنساني نابض، تتجاوز فيه الرياضة حدود المنافسة لتصبح لغة مشتركة تجمع البشر على اختلاف أعمارهم وقدراتهم، تحت شعار واحد: ابدأ بخطوة.

تعود جذور هذه المناسبة إلى عام 2009، حين انطلقت في مدينة نيويورك تحت مسمى «اليوم الوطني للركض»، قبل أن تتحول في عام 2016 إلى حدث عالمي يشارك فيه الملايين من مختلف الدول. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد الركض مجرد نشاط بدني، بل أصبح دعوة مفتوحة إلى الحياة النشطة، ورسالة إنسانية تؤكد أن الصحة ليست رفاهية، بل حق ومسؤولية، وأن أبسط أشكال الحركة قد تصنع فرقًا كبيرًا في حياة الإنسان.

وتكشف الدراسات العلمية أن الركض المنتظم ينعكس إيجابًا على صحة القلب والدورة الدموية، ويساعد في خفض الوزن وتحسين اللياقة البدنية، كما يسهم في تقليل مستويات التوتر والقلق، وتعزيز جودة النوم، وتحفيز إفراز هرمونات السعادة التي تمنح الإنسان شعورًا بالاتزان النفسي والرضا. وبذلك يتحول من مجرد جهد بدني إلى وسيلة فعالة لتحسين جودة الحياة من الداخل والخارج.

وفي هذا السياق، الذي تتجلى فيه آثار النشاط البدني في الجوانب الصحية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية، يأتي الهدي النبوي الشريف ليؤصل هذا المعنى تأصيلًا عميقًا، ويمنحه بعدًا إيمانيًا وسلوكيًا متوازنًا. فقد أولى الإسلام عناية واضحة بجانب القوة والحركة والنشاط، إذ قال النبي ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف»، وهو توجيه جامع لا يقتصر على قوة الإيمان، بل يمتد ليشمل قوة البدن والصحة والعطاء.

كما قال ﷺ: «إن لبدنك عليك حقًا»، في تأكيد على ضرورة العناية بالجسد وصونه من الإهمال، بما يحفظ قدرته على أداء واجباته الدينية والدنيوية. وكان ﷺ يستعيذ من العجز والكسل، فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل»، وهو دعاء يجسد قيمة الحركة والنشاط ورفض مظاهر الخمول والتقاعس. وقد تجلى هذا المعنى عمليًا في سيرته ﷺ حين سابق زوجته السيدة عائشة رضي الله عنها، وفي هديه في المشي الذي اتسم بالقوة والسرعة والحيوية.

وبذلك يتضح أن النشاط البدني ليس مجرد سلوك صحي معاصر، بل هو قيمة أصيلة في المنظور الشرعي، تلتقي مع ما توصل إليه العلم الحديث من أثره في بناء الإنسان المتوازن جسديًا ونفسيًا واجتماعيًا، ليكون أكثر قدرة على الإسهام في حياته وأسرته ومجتمعه.

وفي المملكة العربية السعودية، يتجاوز هذا اليوم معناه العالمي ليصبح جزءًا من تحول وطني شامل تقوده رؤية 2030، التي جعلت من جودة الحياة أحد ركائزها الأساسية. فلم تعد الرياضة نشاطًا هامشيًا، بل أصبحت أسلوب حياة تتبناه الدولة والمجتمع معًا، ضمن منظومة متكاملة تهدف إلى رفع معدلات النشاط البدني وتحسين الصحة العامة. وقد انعكس ذلك في تطوير المدن والفضاءات العامة، وتحويل الممرات والحدائق إلى مساحات مهيأة للمشي والركض، بما يعزز مفهوم المدينة الصحية والإنسانية.

كما أسهمت المشاريع الكبرى، مثل المسارات الرياضية الممتدة والمبادرات المجتمعية والفعاليات المفتوحة، في ترسيخ ثقافة الركض لدى مختلف فئات المجتمع من رجال ونساء وأطفال. ولم يعد النشاط البدني مقتصرًا على فئة محددة، بل أصبح ممارسة يومية طبيعية تعكس تغيرًا عميقًا في نمط الحياة، وتحولًا في الوعي الجمعي تجاه الصحة والحركة.

ومع هذا التحول، لم تعد آثار الركض محصورة في كونه نشاطًا بدنيًا ينعكس على صحة الفرد فحسب، بل تجاوزت ذلك لتتشابك مع أبعاد أوسع تمس جودة الحياة بمفهومها الشامل. فهو يسهم في تعزيز الصحة النفسية عبر تقليل التوتر ورفع مستويات التوازن الانفعالي، كما يعزز الروابط الاجتماعية من خلال ما يخلقه من مساحات للقاء والتفاعل بين أفراد المجتمع، سواء داخل الأحياء أو في الفعاليات الرياضية الجماعية.

وعلى المستوى الاقتصادي، ينعكس هذا النشاط في دعم قطاع السياحة الرياضية وتنشيط الفعاليات المجتمعية، بما يفتح آفاقًا جديدة للاستثمار والترفيه. وبهذا يصبح الركض أحد أدوات التنمية غير المباشرة التي تسهم في تقليل الأعباء الصحية المستقبلية، ورفع كفاءة الإنفاق الصحي، ودعم توجهات تحسين جودة الحياة بوصفها هدفًا استراتيجيًا مستدامًا.

وفي النهاية، يبقى «اليوم العالمي للركض» أكثر من مجرد مناسبة سنوية؛ إنه تذكير بأن التغيير لا يحتاج إلا إلى قرار، وأن الصحة تبدأ بخطوة، وأن الإنسان حين يتحرك يقترب أكثر من حياة أفضل. وفي المملكة، تتجسد هذه الرسالة يومًا بعد يوم في واقع يمضي بثبات نحو مجتمع أكثر حيوية، ومدن أكثر إنسانية، وحياة أكثر توازنًا وازدهارًا، تنبض فيها الصحة، وتزدهر فيها الطمأنينة، ويكبر فيها الإنسان في وعيه وعافيته معًا.

 

د. فيصل بن غازي الحازمي

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *