عشر ذي الحجة… موسم العمر الذي لا يُعوَّض

ما أسرع الأيام حين تمضي، وما أثقل الحسرة حين يكتشف الإنسان أن أبوابًا عظيمة من الخير قد فُتحت له ثم أُغلقت وهو منشغل عنها!

وها هي عشر ذي الحجة تُقبل من جديد؛ ليست مجرد أيامٍ تتكرر في التقويم، بل نفحات ربانية، وموسمٌ إيماني عظيم، أقسم الله به في كتابه فقال:

﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾.

وإذا أقسم العظيم بشيء دلَّ ذلك على عِظم شأنه وعلوِّ قدره.

إنها الأيام التي شهد لها النبي ﷺ بأنها أعظم أيام الدنيا للعمل الصالح، فقال:

“ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام” يعني أيام العشر.

قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟

قال: “ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء” رواه البخاري.

تأمل هذا الحديث جيدًا…

إنه لا يتحدث عن عملٍ معين، بل عن كل عمل صالح: صلاة، وذكر، وصدقة، وبر، وصيام، وقرآن، ودعاء، وإحسان، وتوبة، ودمعة خاشعة في جوف الليل.

في هذه الأيام ترتفع الأعمال، وتفيض الرحمات، وتُفتح أبواب القربات.

ومن أعجب ما في هذه العشر أن أمهات العبادات تجتمع فيها بصورة لا تكاد تجتمع في غيرها؛ ففيها الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، والذكر، والتكبير، والأضاحي، والدعوات، والتوبة، وسائر أنواع القربات.

ولذلك كان السلف الصالح يعظّمون هذه الأيام تعظيمًا بالغًا، ويستقبلونها بقلوبٍ حية، ونفوسٍ متشوّقة، يدركون أنها ليست أيامًا عابرة، بل محطات تغيير، وفرص نجاة، ومواسم صناعةٍ إيمانية للنفس والروح.

والمؤلم حقًا أن بعض الناس يدخل عليه هذا الموسم العظيم فلا يتغير في برنامجه شيء!

لا ورد قرآن، ولا زيادة ذكر، ولا قيام ليل، ولا صدقة، ولا صيام، وكأن هذه الأيام وغيرها سواء!

أيُّ حرمانٍ أعظم من أن تمر عليك أحب الأيام إلى الله ثم لا يكون لك فيها نصيب؟

إن العاقل لا ينظر إلى هذه العشر على أنها مجرد “مناسبة موسمية”، بل يراها فرصة قد لا تتكرر؛ فكم من أناس كانوا معنا في العام الماضي، ثم أدركهم الأجل قبل أن يدركوا هذه الأيام!

ولهذا فإن من أعظم الغبن أن تُقضى هذه الأيام الثمينة في اللهو والغفلة، والتجوال بين الشاشات والجوالات، والانشغال بسفاسف الأمور، بينما ترتفع في السماء صحائف الذاكرين، والقائمين، والباذلين، والمستغفرين.

ومن جميل ما يُعان به العبد في هذه الأيام أن يضع لنفسه برنامجًا إيمانيًا واضحًا، ولو كان يسيرًا لكنه ثابت:

* وِرد يومي من القرآن.

* إكثار من التكبير والتحميد والتهليل.

* صيام ما تيسر، وخاصة يوم عرفة.

* صدقة خفية.

* صلة رحم.

* ركعات في جوف الليل.

* دعوات صادقة بينه وبين الله.

ولعل أعظم ما تحتاجه القلوب في هذه العشر: صدق الإقبال على الله، لا كثرة المظاهر والشعارات؛ فرب عمل صغير عظّمه الإخلاص، ورب عمل كبير أحبطه الرياء والغفلة.

إنها أيامٌ قد تغيّر مصير الإنسان كله؛ فقد تُكتب فيها توبة صادقة تمحو ماضيًا طويلًا، أو دعوة خاشعة تفتح أبواب الخير، أو دمعة ندم تكون سببًا في النجاة يوم القيامة.

فيا من أدركتَ عشر ذي الحجة:

هذه فرصة جديدة منحك الله إياها قبل أن تُطوى الصحائف، وتُختم الأعمار.

فأرِ الله من نفسك خيرًا، وأحيِ قلبك بالذكر، وعمّر أيامك بالطاعة، واغتنم هذه اللحظات قبل أن تصبح ذكرى تُقال:

“لقد مرّت العشر… ولم ننتبه إلا بعد فواتها!”.

 أ.د. مشعل بن حميد اللهيبي 

جامعة أم القرى -كلية الدعوة وأصول الدين- قسم الكتاب والسنة

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *