هل العادات والتقاليد نصٌ مقدس أم قناع اجتماعي ؟

العادة في اللغة هي ما يعتاده الإنسان، أي ما يعود إليه مرارًا وتكرارًا، إما نتيجة توارث عقلي عبر الأجيال، أو لانحياز منطقي غير مبرر لم تتم مناقشة أسبابه. والعادات متواجدة في كل الشعوب والثقافات، إذ تُعد من الركائز الأساسية التي تُشكّل الهوية الثقافية لأي مجتمع، فهي تنبع من تجارب الشعوب وتراكماتهم عبر الزمن، وتساهم في حفظ التماسك الاجتماعي وضبط العلاقات بين الأفراد.

غير أن التساؤل يظل قائمًا: هل ينبغي التعامل مع هذه العادات باعتبارها نصًا مقدسًا لا يقبل النقاش، أم أنها مجرد أدوات قابلة للمراجعة والتطوير وفقًا للزمن والظروف؟

في بعض الأحيان، تتجاوز العادات دورها التوجيهي إلى فرض سلوكيات تخالف المنطق، ويُبرر ذلك فقط بـ”منع كلام الناس”. وهنا يتضح أن العادات ليست كلها سيئة بالمطلق، بل لها ما لها وعليها ما عليها. فكما أن لها دورًا في بناء المجتمع، فإنها قد تتحول إلى قيد إذا لم تواكب العقل وقيم الإسلام.

فالمرجع الأول لنا هو الإسلام وأخلاق النبوة. ومع ذلك، نجد أحيانًا أن بعض العادات تُقدَّم على النصوص الشرعية، كترسيخ عادة عدم مناقشة كبير السن في المجالس، ولو أخطأ في حديث نبوي أو آية قرآنية، وذلك بحجة أن “العيب” يمنع من التصحيح. وفي الواقع، الواجب أن يُعدَّل الخطأ، خاصةً إذا كان في أمر لا يجوز الخطأ فيه. وقد نجد من يدافع عن المخطئ فقط لأنه كبير في السن، بينما هو نفسه قد لا يلقي السلام عند خروجه من المسجد! من العادات التي تحتاج إلى مراجعة:
أنه في بعض المجتمعات، يتحول مجلس العزاء إلى مأدبة غداء أو عشاء، رغم أن المتوفى — رحمه الله — قد يكون قد عانى في مرضه أيامًا طويلة دون أن يزوره أحد.

لكن ما إن يُعلن خبر وفاته، حتى يتهاطل الناس إلى مجلس العزاء، وتُقام الموائد يوميًا، في مشهد لا يخلو من المبالغة.

وما يُؤسف له أكثر، أنه في كثير من الأحيان، يتحول العزاء — ابتداءً من اليوم الثاني — إلى أحاديث عامة، وربما تدخل الغيبة والنميمة في تلك المجالس، فيغيب عن البعض جلال الموقف وهيبة الموت، ويتحول المجلس من عزاء إلى سمر.

إن مراجعة هذه العادات ضرورة، ليس تقليلاً من شأن المواساة، ولكن حفظًا لروح العزاء ووقاره، وتقديرًا لحق المتوفى وأهله.

فأصبحت العادة في هذا السياق قناعًا اجتماعيًا يخفي كثيرًا من التناقضات. وهنا لا يفهم من المقال أن الغرض هو التقليل من احترام الكبار، بل بالعكس، فالاحترام واجب كما أمر الإسلام، لكن ليس على حساب الحق.

ومتى ما تعارضت العادة مع النص الشرعي، فإن العادة تُهمل ويُؤخذ بالنص. ولنا في عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قدوة، حين قال على الملأ: “أخطأ عمر وأصابت امرأة”. هذه هي قمة التواضع والعدل.

ومن العادات الأخرى التي تستحق الوقوف عندها، ما يحصل في الزواج من مظاهر مبالغ فيها، لا تمتّ للدين بصلة. حفلات ضخمة، مهور مرتفعة، ونفقات تُدفع لأجل التباهي فقط، وكأن الزواج أصبح ساحة استعراض. وهذا يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم: “أبركهن أيسرهن مؤونة”. فهل البركة في التبذير أم في التيسير؟

ولا نقصد هنا من أنعم الله عليه من المقتدرين، فهؤلاء يدخلون في قوله تعالى: “وأما بنعمة ربك فحدث”. لكن المشكلة حين يُجبر الشاب محدود الدخل على إقامة حفل كبير فقط لأنه “أكبر إخوته”، أو “من باب العيب”، كما حدث مع أحد الشباب الذي قال لي شخصيًا: “أنا أريد زواجي مختصرًا، ولكن والدي أجبرني على حفل كبير لأنه يرى أنه لا يليق أن يُقام لي زواج بسيط أمام الناس”.

هنا يجب أن نقف ونسأل: متى نقول للعادة أو السلوك السيئ “لا”، وللحسن “نعم”؟ أما الاستمرار في مساواة الجميع، دون تمييز بين الضار والنافع، فقد يحول العادة إلى فرض اجتماعي لا يُمسّ، حتى لو خالف العقل والدين.

في النهاية، لا ننكر أهمية العادات والتقاليد في تشكيل مجتمعاتنا، لكنها ليست فوق النقد، وليست وحيًا منزّلًا. فحين تتعارض مع قيم الإسلام والعقل، يجب أن تُراجع وتُقوم. وكما قال الإمام مالك رحمه الله: “كلٌ يؤخذ من قوله ويُرد، إلا صاحب هذا القبر”، في إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

فلا قداسة إلا لما وافق الحق، ولا عيب في مناقشة ما اعتدنا عليه إن كان يحمل ضررًا ظاهرًا، فالعادات يجب أن تخدم الإنسان لا أن تقيده.

خالد سعود الحربي

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *