في رثاء الزميل والصديق أبي إقبال/ الدكتور سعيد السريحي رحمه الله
فاتحة واستهلال:
“يجيئنا السيد/ الموت..
يجيء كالطير..
يلتقط من صدرك الأغنيات..
ومن كفك بعض أصابعها..
ومن قلبك الأوجه الطيبة!!”
هكذا رثى سعيد السريحي نفسه قبل أربعين عاماً!
ففي عام 1407هـ، وتحديداً في 27 محرم 1407هـ، نشرت مجلة اليمامة قصيدة للسريحي بعنوان: ثلاث صفحات من كتاب الموت، اقتبستُ منها المفتتح أعلاه.
(2) كنتُ قد أصدرت كتاباً عام 1432هـ/2011م بعنوان: في حضرة السيد الموت (مراثي)، وهذا العام نشرت كتاباً جديداً بعنوان: أجسادنا تحت التراب.. أرواحنا في جنة النعيم!! وكلا هذين الكتابين يتعالقان مع خطاب الموت الذي بثّه سعيد السريحي في تلك القصيدة — وذلك النص المشار إليه.
إنه (السيد الموت) الذي يفجؤنا فيلتقط من صدورنا أحلى الأغنيات، ومن كفوفنا بعض الأصابع، ومن قلوبنا الأوجه الطيبة.
وها نحن اليوم نواجه (السيد الموت) الذي أخذ منا وأبعد عنا حبيبنا سعيد السريحي، الذي كان أحد الأغنيات المفعمة بالحب والصدق والنور، وأحد الأصابع التي تشير إلى الحق والجمال والإنجاز، وأحد الأوجه الممتلئة معرفةً وعلماً ونبوغاً.. يرحمه الله.
(3) تلقيت خبر الوفاة من حبيبنا محمد باوزير، الذي أرسل لي مساء الأربعاء 23/8/1447هـ ما غرّد به الصحافي الجميل عبدالله الحسني قائلاً:
“كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر
فليس لعينٍ لم يعض ماؤها عذر
رحم الله الناقد الكبير والمثقف العميق الرصين د. سعيد السريحي”
ثم تتالت الأخبار عبر رسائل التواصل الاجتماعي، ولما لم يعد إلا التصديق بهذه الحقيقة، كتبت عبر هذه الوسائل:
“رحم الله الفقيد سعيد السريحي وجعله من الأبرار.. رحل رجل الكلمة والمواقف التي لا تُنسى، ورحل صاحب الإبداع والتميز النقدي والشعري، صاحب الإنجاز والعطاء والروح الإنسانية. يرحم الله الفقيد ويؤنسه بالجنة والفردوس الأعلى، ويلهم أسرته الصبر والاحتساب”.
(4) رحل السريحي بعد معاناة مع المرض. أكثر من أربعة أشهر قضاها في العناية المركزة جراء جلطة في الدماغ، ولعلها كانت تطهيراً وتكفيراً؛ فقد أُثر عن المصطفى صلى الله عليه وسلم قوله:
“ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه”.
كنت حريصاً على زيارته، وتواصلت كثيراً مع الشاعر والصحافي المبدع هاشم الجحدلي للاطمئنان والسؤال، ولكن الظروف لم تسمح، وللأسف الشديد.
رحل سعيد السريحي — رحمه الله — رحيلاً مزدوجاً؛ فغياب الجسد والروح لا يعني غياب الأثر والمنجز. إنه الرحيل المادي، أما المعنى والقيمة فلا يزال سعيد بيننا بمنجزاته وعطاءاته.
نعم، انطفأ المصباح، ولكن الضوء ما زال فينا علاماتٍ ومشاعرَ ودلالات. رحل سعيد، ولكن كتبه ومقالاته شاهدة على قيمة وقامة أبي إقبال/ سعيد السريحي.
رحل سعيد، ولم يكن رحيلاً عابراً منسياً، بل كان رحيلاً مورقاً بالذكريات والمنجزات والشواهد التي لا تُحصى عدداً ولا أثراً. لقد حرث في أرض الأدب والثقافة، وسعى لتنقية اللغة من الغبار، وأعاد للنص هيبته، وللشعر سموّه، وللنقد جرأته وحداثته.
كان سعيد شاعراً بالفطرة، مُقِلاً في الإنتاج الشعري؛ فقد طغى النقد على شاعريته. وكان ناقداً حداثياً بامتياز منذ رسالته عن أبي تمام، وحتى كتابه عن تفكيك خطاب الصحوة: كي لا نصحو ثانيةً.
وكان من النقاد الذين يمتازون بالتقاط الأسرار الخفية من النصوص الإبداعية، وجعل من النقد فعلاً حضارياً وطريقاً للتنوير وأسلوباً للفهم والتأمل. وكان مدرسةً في النقد والإبداع الجديد.. يرحمه الله.
(5) ولِسعيد السريحي في مثواه المتوج برحمات الله ودعوات المحبين أقول:
وها أنت يا سيد المدن المضيئة
بالطهر.. والصافنات..
يجيئك السيد الموت،
يجيء كالطير يلتقط منا الأغنيات،
ومن كفنا بعض أصابعها،
ومن الأوجه التي نعرفها
وجهك الطيب المورق.
وها أنت تسلم الروح لبارئها،
تعيد الأمانة للذي أوجدها،
تخترق الزمن الفاصل بين الميلاد والمعاد.
ها أنت تقطف آخر وردة من الحياة،
وتودعها قبرك الآن،
قبرك الذي يتشظى بين (الرويس)
و(أم القرى)،
بين (عكاظ)
و(نادي الأدب).
ها أنت ترحل
بشموخك.. وإنسانيتك..
بتراثك.. وحداثتك..
تودع هذا الفضاء الملوث بالخطايا،
ولغة الطيش،
والشواطئ المسكونة بالمبيدات.
ها أنت تودع هذه الزرايا،
إلى حيث البراءة والطهر والأغنيات،
إلى حيث الرحمة والمغفرة
وجنات النعيم.
وها أنت توقظ فينا مكامن الذهول،
ولكن قبرك الآن يحتفي
بدعوات المحبين،
وهتافاً من (يس)،
ونبرة حزن من الأهل إذ يقفون
على روحك الآفلة.
(6) وأخيراً، فلا نملك إلا الدعاء برحمة الله والمغفرة لفقيدنا، فقيد الثقافة والأدب والنقد في السعودية وعالمنا العربي.
اللهم ارحمه رحمة واسعة، وأسكنه فسيح الجنان، وألهم أهله وذويه الصبر وحسن القبول والاحتساب.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
والحمد لله رب العالمين.
جدة: مساء الخميس 24/8/1447هـ

مقالات سابقة للكاتب