الإحسان في زمن الجحود النكران

الإحسان في زمن النكران ما بين “مجير أم عامر” و “من يفعل الخير لا يُعدم جوازيه”

ما من إنسانٍ إلا ويُبتلى بفئامٍ من الخلق حوله يتقربون إليه وقت المصالح والحاجات؛ فيفتح لهم قلبه، ويُعيرهم سمعه، ويقتطع لهم من وقته، ويسعى بجاهه ومعارفه لقضاء حوائجهم وتيسير أمورهم، وربما أنفق عليهم من ماله وجهده، ثم لا يسمع منهم كلمة شكر، ولا يرى اعترافًا بفضل، ولا يظفر دعوة صادقة في ظهر الغيب، بل قد يرتدّ إليه بعض إحسانه جرحًا باردًا أو كلمةً قاسية جحودًا ونكرانا.

هؤلاء — على قسوة أثرهم — ليسوا عثرةً في الطريق فحسب، بل هم امتحانٌ دقيق للإخلاص، وميزانٌ خفيٌّ يكشف حقيقة النيّات: هل نصنع المعروف لله، أم نصنعه للناس؟

إن الجحود في الحقيقة هو سلوك غير سويّ، مناف للقيم الإسلامية النبيلة التي زخرت بها الشريعة الإسلامية، ومجانبا لعادات العربية الأصيلة، فهو ليس سلوكًا طارئًا يولد من لحظة عابرة، بل هو في الغالب نتيجةُ تراكماتٍ نفسية وتربوية تشكّلت عبر سنوات؛ إنه عرضٌ لخللٍ أعمق في بناء النفس، واضطراب في فهم العلاقة بين الأخذ والعطاء. فالإنسان حين لا يُربّى على الامتنان، ولا يُهذَّب وعيه بحقيقة الفضل، قد ينقلب على من أحسن إليه دون أن يشعر أنه يرتكب خطأً أخلاقيًا جسيمًا.

وفي بعض الحالات، يقف وراء الجحود تضخّمٌ في الأنا، ونزعةٌ نرجسيةٌ ترى الذاتَ محورَ الوجود. هذا الصنف يتعامل مع المعروف بوصفه حقًا مكتسبًا، لا فضلًا يُقابل بالشكر. يشعر في أعماقه أن العالم مدينٌ له، وأن كل ما يُقدَّم إليه إنما هو تعويضٌ مستحق، لا عطاءٌ كريم. لذلك تبدو كلمة شكرًا ثقيلةً على لسانه، لأنها تعني اعترافًا ضمنيًا بأن الفضل جاءه من خارج ذاته، وهو ما يُهدّد صورته المتعالية عن نفسه. ويرتبط بهذا الشعور خوفٌ دفينٌ من “الدَّيْن المعنوي”، وفي أحيانٍ أخرى يكون الدافع غيرةً مستترةً أو شعورًا بالنقص. ولا يمكن إغفال أثر التنشئة في تشكيل هذا السلوك؛ فالبيوت التي لا تُعلِّم أبناءها قيمة الشكر، ولا تُمارس الامتنان عمليًا، تُخرّج أفرادًا يرون العطاء أمرًا طبيعيًا لا يستوجب التقدير.

ومن المنظور الإيماني، يكشف الجحود خللًا في إدراك حقيقة النعمة؛ فالمؤمن يرى الناس أسبابًا يسوقهم الله إليه، ويعلم أن شكرهم من تمام شكر الله. أما من انقطعت صلته بهذا المعنى، فقد يحصر النعمة في حدود ذاته، فيغفل عن فضل الوسائط التي كانت سببًا في وصول الخير إليه. وهنا يتحوّل نكران الجميل من مجرد خطأ اجتماعي إلى اضطرابٍ في الرؤية القلبية.

وتتكرّر صور الجحود في حياتنا اليومية على نحوٍ يكاد يكون مألوفًا لكثرة ما نراه، حتى لكأنها مشاهد محفوظة في مسرح العلاقات الإنسانية:

– قريبٌ لا يظهر إلا عند الحاجة؛ يطرق بابك مثقلًا بالشكوى، مستندًا إلى ما بينكما من رحمٍ وذكريات. فإذا قضيت حاجته، وانكشفت غمّته، عاد إلى صمته الطويل، كأنك محطةٌ عابرة في سفره لا وجهًا حاضرًا في حياته. تمرّ به فلا يذكرك إلا حين تضيق به السبل، وكأن المودة عنده موسمية، تُستدعى وقت العسر وتُنسى عند السعة.

– صديقٌ رفعتَه في أعين الناس، دافعت عنه حين غاب، وزكّيت خُلُقه حين شُكّ فيه، وفتحت له أبوابًا ما كان ليبلغها وحده. فإذا تمكّن، نسي اليد التي ساندته، بل ربما شارك — صراحةً أو صمتًا — في طمس أثرك، كأن اعترافه بفضلك يُربك صورته الجديدة. يفضّل أن يُكتب نجاحه بمدادٍ فرديّ، ولو محا من الصفحة أسماء الذين أعانوه.

– طالبٌ أو متدرّبٌ علّمته ووجّهته، صبرت على تعثّره، واحتملت أسئلته، وأعنتَه على تجاوز ضعفه. فإذا نجح واشتدّ عوده، تبرّم من ذكرك أو تحرّج من الإشارة إليك، كأن الاعتراف لك يُنقص من مجده، أو يُضعف وهج إنجازه. فيعيد سرد القصة على نحوٍ يجعله بطلها الوحيد.

هذه الصور — على اختلاف وجوهها — يجمعها خيطٌ واحد: ضيق النفس عن الاعتراف بالفضل، وخوفها من أن تُشارك أحدًا في صناعة النجاح. لكنها، في المقابل، تكشف قيمةً أخرى لا تقل أهمية: أن المعروف لا يُقاس بردود الأفعال، بل بصفاء النية، وأن اليد التي تعطي لا تفقد شرفها لأن بعض القلوب ضاقت عن الشكر.

فليست العبرة بأن يُذكر اسمك في كل قصة، بل أن تكون قد أدّيت ما عليك بصدق. ومن عرف أن العطاء خُلُقٌ قبل أن يكون علاقة، لم يُفجعه أن ينساه بعض الناس؛ لأن ما يُنسى في الأرض، لا يُنسى في السماء.

 إن هؤلاء الأشخاص لا يسيرون وفقا القاعدة النبوية الواضحة: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله» التي تجعل الشكر خلقًا تعبديًا قبل أن يكون ذوقًا اجتماعيًا، فإن كثيرًا من الناس يتعاملون مع عطايا الآخرين كأنها حقوق مُسلَّمة لا نِعَمٌ تستوجب الامتنان. وهنا يتجلّى وجهٌ من وجوه «فساد الميزان القيمي»، حين يُرى المعروف استحقاقًا، ويُرى الشكر تفضّلًا.

فالوفاء، وحفظ المعروف، وردُّ الجميل، ومقابلة الإحسان بالإحسان، والمكافأة للمعروف بمثله أو أحسن منه والدعاء لصاحبه – من أخلاق الإسلام، ومن صفات المتقين؛ قال الله تعالى: ﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [القصص: 77]. وقال سبحانه: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يشكُرُ اللهَ من لا يشكُرُ الناسَ))؛ رواه أحمد والترمذي. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صنَع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى تَرَوا أنكم قد كافأتموه))؛ رواه أحمد وأبو داود والنسائي.

وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم زاخرة بردّ الإحسان ومكافأة المعروف، فعنه أنه قال:

«ما لأحدٍ عندَنا يدٌ إلا وقد كافأناه، ما خلا أبا بكرٍ، فإن له عندنا يدًا يُكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مالُ أحدٍ ما نفعني مال أبي بكر، ولو كنتُ متخذًا خليلًا لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلًا، ألا وإنَّ صاحبَكم خليلُ الله» (رواه الترمذي).

أما إحسان مجير أم عامر، فهي حكايةٌ تتكرّر في كل عصر ولكن بأقنعةٍ جديدة. فلم تعد الضبع تأتيك في صورة أنثى هاربةٍ من الصيد تستصرخ جوارك، بل قد تأتيك في هيئة صديقٍ يلوذ بقلبك حين تضيق به الدوائر، أو قريبٍ يستظل بسقفك حين تعصف به الرياح، أو زميلٍ يتقوّى بسمعتك حتى يشتدّ عوده ويستقيم ظهره.

تأتيك مستضعفةً، مستأمنةً، تُحسن إليها بدافع المروءة، وتفتح لها من دفء قلبك ما لا تفتحه لغيرها، ثم إذا استقرت قدماها واستغنت عن عونك انقلب المشهد على نحوٍ موجع؛ تمزّقك بظفرها اللامرئي: كلمةٌ تُقال في غيابك، أو وشايةٌ تُزرع في طريقك، أو إنكارٌ باردٌ لماضٍ مشتركٍ كان بالأمس عنوانًا للوفاء.

وهكذا لا يكون الغدر صاخبًا دائمًا؛ فبعضه يأتي في صورة صمتٍ متعمّد، أو تجاهلٍ محسوب، أو إعادة كتابةٍ للتاريخ تُسقط اسمك من السطور، وكأن وجودك لم يكن إلا مرحلةً عابرةً في رحلةٍ يحرص صاحبها أن يُنسب فضلها إليه وحده.

وما أقسى أن يتحوّل الإحسان من جسرٍ للمودّة إلى شاهدٍ على الجحود. لكن العاقل يدرك أن الحكاية — وإن تكررت — لا ينبغي أن تُطفئ في قلبه جذوة الخير، بل أن تعلّمه أن يجمع بين المروءة والفطنة، وأن يمنح بثقة، لكن دون أن يُسلّم قلبه بلا حراسة.

من ملامح النفس الجحودة : أنها تستمتع بثمار الغرس، ثم تسخر من الزارع، وتستظل بظل الشجرة، ثم ترميها بالحجارة، تمامًا كما فعلت «أم عامر» مع من أجارها وسقاها وذاد عنها.

لا يرى الجاحد في المعروف منحة تُقابل بالشكر، بل يراه حقًا مكتسبًا، فإذا قصّرتَ يومًا في عطائك عدّ تقصيرك خيانة، ونسي سنوات البذل الأولى، وكأن رصيدك كله قد تلاشى بامتحان واحد.

أصناف الناس في زمن الجحود يمكن للمرء أن يلحظ، في مرآة التجربة، ثلاثة أصناف بارزة من الناس في هذا المناخ الأخلاقي المرتبك.

الصنف: الوفيّ الحافظ للودّ من يكفيه أن تَمَسَّه نفحة من معروفك؛ فيحمله عمرًا في قلبه، ويردّه دعاءً، أو نصرةً، أو كلمة حق في غيابك، فيغدو شاهدًا حيًّا على أن «من يفعل الخير لا يُعدم جوازيه».

الغافل ضعيف الذاكرة: لا يتعمّد نكران الجميل، لكن ضغط يومه يثقُب ذاكرته؛ فإذا انقضت الأزمة نسي اليد التي أسعفته، فهذا يُذكَّر ولا يُؤنَّب، لأنه ابن العجلة أكثر منه صاحب خيانة متعمَّدة.

الجاحد الممنهج: يعرف جميلك تفصيلًا ثم يدفنه تحت تبريرات الأنا؛ يقتات من عطائك، فإذا اشتد ساعده افترسك، مكرّرًا مأساة «مجير أم عامر»، حيث يكون الغدر قرارًا باردًا لا نزوة عابرة.

إن مهارة العيش مع هؤلاء ليست في إغلاق القلب، بل في تعلّم «فن التوجيه»؛ أن تعرف لمن تبذل، ومتى تتوقف، وكيف تحمي روحك من التآكل.

فالشرع والعقل يتفقان على أن المعروف لا يضيع عند الله، وإن ضاع في دفاتر الناس، وأن «العرف» – أي الإحسان – محفوظ في سجل الغيب، وإن أنكره المستفيدون منه في سجل الواقع.

فليكن عطاؤك لوجه القيمة لا لوجه الأشخاص، وأن تحمل قلبًا كريمًا وعقلًا يقظًا فالطيبة بلا وعي تتحوّل إلى بيئة مفضّلة للطفيليات البشرية، كما تحوّل كرم الأعرابي مع «أم عامر» إلى مأساة لأن كرمَه لم تصحبه فطنة بطشها المفترس.

 وتعلّم فن المسافة الإنسانية؛ فالمسافة ليست قسوة، بل هي سياج يحمي أشجار المروءة من أظافر «أم عامر» الجديدة في كل عصر.

 ومع ذلك، يبقى الإحسان سبيلَ الكرام، والعفوَ شِعارَ النبلاء، ومن تعلّق رضاه بربّه لم يزده الجحود إلا ثباتًا على الجميل؛ لأن ما عند الله خيرٌ وأبقى، ولأن كل عملٍ خالصٍ له لا يُضَيَّع أجرُه وإن ضاع شكرُه بين الناس.

وقد صدح الشاعر أبو العتاهية مثنيًا على صديقٍ وفيّ، يردّ الإحسان بالإحسان، ويجعل من الصداقة مقامًا للنجدة والكرم:

جَزى اللَهُ عَنّي صالِحاً بِوَفــائِــهِ                    وَأَضعَفَ أَضعافاً لَهُ في جَزائِهِ

بَلَوتُ رِجالاً بَعدَهُ في إِخائِهِــــم                    فَما ازدَدتُ إِلّا رَغبَةً في إِخائِهِ

صَديقٌ إِذا ما جِئتُ أَبغيهِ حاجَةً                    رَجَعتُ بِما أَبغي وَوَجهي بِمائِهِ

نزار عبدالخالق

مقالات سابقة للكاتب

3 تعليق على “الإحسان في زمن الجحود النكران

marawan khalaf

موفق ان شاء الله الصديق الغالي
الكاتب الكبير نزار

زكريا محمد

يقف وراء الجحود تضخم فى الأنا و نزعة نرجسية ترى الذات محور الوجود
احسنت يا صديقى الوفى دكتور نزار

غير معروف

يكشف الجحود خللًا في إدراك حقيقة النعمة؛ فالمؤمن يرى الناس أسبابًا يسوقهم الله إليه، ويعلم أن شكرهم من تمام شكر الله. أما من انقطعت صلته بهذا المعنى، فقد يحصر النعمة في حدود ذاته، فيغفل عن فضل الوسائط التي كانت سببًا في وصول الخير إليه. وهنا يتحوّل نكران الجميل من مجرد خطأ اجتماعي إلى اضطرابٍ في الرؤية القلبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *