رمضان… هل يكون الأخير؟

هناك رمضانات تمرّ علينا كعادة…

وهناك رمضان واحد فقط يمرّ علينا كسؤال.

سؤال لا يطرحه أحد علينا،

بل يخرج من أعماقنا فجأة:

ماذا لو كان هذا هو الأخير؟

ليست الفكرة مخيفة بقدر ما هي مُوقظة.

موقظة لقلبٍ اعتاد التأجيل،

ومنبّهة لنفسٍ أثقلها طول الأمل.

عندها لا يعود رمضان مجرد شهر في التقويم،

بل يتحول إلى محطة فاصلة بين عمرٍ مضى… وعمرٍ قد لا يأتي.

أتى رمضان هذا العام، وفي قلبي فرحة لم أعهدها من قبل.

فرحة لا تشبه أي فرحة عشتها في سنواتي الماضية.

دموع رقراقة انحدرت على خدي، لا حزن فيها، بل دفء وامتنان… كأنني ظفرت بغنيمة لا تُقدَّر بثمن.

غير أن شعورًا آخر تسلل إلى أعماقي في صمت.

ترددت طويلًا: هل أبوح به أم أتركه حبيس الصدر؟

إنه همس خافت يقول لي:

لعل هذا هو آخر رمضان في حياتي.

فكرة الموت لا تُخيفني بقدر ما تُحزنني.

تحزنني لأنني لا أشعر أنني تزودت بما يكفي من التقوى،

ولا ملأت صحيفتي بما يليق بلقاء الله.

أشعر أنني بلغت منعطفًا متقدمًا من الطريق.

الرأس قد اشتعل شيبًا،

وما تبقى — في ظني — ليس بالكثير.

وليس هذا سوء ظن بالله، حاشا لله.

بل هو إدراك لسنن الحياة،

وشعور داخلي يريد أن يصحو، أن يتطهر، أن يبدأ من جديد.

يتردد في ذهني حديث النبي ﷺ:

«اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».

كم من فرصة مرت ولم نغتنمها؟

كم من صلاة اشتكت فتورنا؟

كم من ذنب أثقل كاهلنا وأبطأ مسيرنا نحو النور؟

لا نستطيع إعادة الزمن إلى الوراء،

ولا يمكننا استعادة جذوة الشباب إذا خمدت،

لكن — والحمد لله — ما زال باب الأمل مفتوحًا.

رمضان ليس شهر الندم…

بل شهر القرار.

ليس شهر البكاء على ما فات…

بل شهر البناء لما هو آت.

أعظم ما في هذا الشعور أنه لم يلد يأسًا، بل أنجب رجاءً.

رجاءً أن نُعانق توبة نصوحًا تجبّ ما قبلها،

رجاءً أن يقبل الله عودتنا،

رجاءً أن نضع أقدامنا بثبات على الطريق المستقيم.

ربما لا يكون هذا آخر رمضان،

وربما يكون…

لكن المؤكد أن أسوأ ما يمكن أن يحدث ليس أن يكون الأخير،

بل أن يمرّ دون أن نستيقظ.

وهنا أسألك — كما أسأل نفسي —

هل فكرت يومًا أن هذا الرمضان قد يكون الأخير في حياتك؟

لسنا نخيف أنفسنا بفكرة الموت،

لكننا نوقظ قلوبنا من غفلة التأجيل.

كم مرة قلنا: سألتزم لاحقًا؟

سأتغير عندما أفرغ؟

سأتوب حين تهدأ ظروفي؟

وربما لا تأتي تلك اللحظة التي ننتظرها.

رمضان ليس ضمانة لعمرٍ أطول،

بل فرصة لعمرٍ أصدق.

إن كان بينك وبين الله فتور، فابدأ الآن.

إن قصّرت في صلاتك، فعد اليوم.

إن أثقلتك الذنوب، فباب التوبة مفتوح، لا يُغلق إلا مع آخر نَفَس.

لا تجعل رمضان يمر كما مرّت أعوام سابقة.

اجعله نقطة تحوّل.

اجعله بداية عهد جديد.

اجعله الشهر الذي تقول فيه: كفى غفلة… آن أوان الرجوع.

والآن… ماذا ستفعل أنت؟

هل ستغتنم رمضان هذا؟ أم ستتركه يمرّ دون أثر؟

فربما لا نملك رمضانًا آخر،

لكننا نملك هذه اللحظة.

والله يحب التوابين…

فكن منهم. 🌙

نوار بن دهري

NawarDehri@gmail.com

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *