أقنعة الضجيج: في حضرة “المراهق الكبير” والقبيلة الرقمية!!

في زوايا المجالس التي كانت يوماً ما مدارس للمروءة ومحاريب للرزانة، بات يطغى وهج الشاشات الباردة على دفء الوجوه، ليتسلل إلينا ما يمكن أن نسمية “عقلية المراهق الكبير”. هذا الكائن الرقمي الذي استبدل هيبة الحضور بضجيج “الشيلات”، وحوّل الفضاء السيبراني إلى مسرح لـ “هياط قبلي” يملأ الآفاق صخباً دون طائل، في مشهد يعكس حقيقة مؤلمة؛ وهي أن هذا الصراخ ليس إلا قناعاً يرتديه من يفتقدون “المرجلة الحقيقية” على أرض الواقع.

تتجلى المفارقة الساخرة في حياتنا المعاصرة حين نرى جيلاً يطوي المسافات بلمسة إصبع على أحدث الهواتف، لكنه يقف عاجزاً ومرتبكاً أمام أبسط أبجديات اللقاء الإنساني. تراه خلف الشاشة بطلاً مغواراً يقتات على أمجاد الماضي بأسلوب مراهق يلهث خلف “الإعجابات”، لكنه في لحظة المواجهة الحقيقية يفتقد أدب الحديث، وفن الاستماع، وبريق العين الذي ينقل صدق المودة. إن هذا التناقض هو الثمن المر لتقديم “المظهر” على “الجوهر”، حيث أصبح السعي وراء “الترند” أهم من بناء الروح الواثقة التي تعرف قدر نفسها في التواضع والسكينة.

وتصل هذه الحالة إلى ذروة تأزمها في مواسم الأعياد والمناسبات القبلية؛ فبينما العيد شعيرة للمسلمين كافة وفرصة لصلة الرحم، يحوله “المراهق الكبير” إلى منصة لاستعراض “النرجسية القبلية”. تسمع ضجيج مقاطعه “عاد عيدكم يا ربعي” و”يا عزوتي”، بينما العيد عيد المسلمين !!

في محاولة بائسة لتأميم العيد وحصره في إطار ضيق يخدم ظهوره الرقمي. والمفارقة الموجعة هنا، هي أن هذا الذي يتغنى بالقرابة في فضاء الإنترنت، قد تجده في الواقع متضايقاً من نجاح ابن عمه، أو قاطعاً لرحم قريب له، أو غارقاً في تصوير “الفناجين” و”المباخر” بينما كبار السن بجانبه ينتظرون منه كلمة طيبة أو إنصاتاً صادقاً.

“والأنكى من ذلك، أن هذا ‘المراهق الكبير’ هو أبعد ما يكون عن حقيقة ‘المواجيب’ التي يتغنى بها؛ فتراه يغض الطرف عن صلة أقرب الأقربين من أبناء عمومته وأرحامه، ويتقاعس عن الوقوف معهم في شدائدهم، ليقفز فوق هذه الروابط الفطرية باحثاً عن تحالفات بعيدة أو روابط أيديولوجية هلامية، يظن أنها تمنحه هالةً أوسع أو صدىً أبعد في فضاء ‘القبيلة الرقمية’. إن هذا القفز فوق القريب إلى البعيد ليس إلا هروباً من استحقاقات المواجهة والالتزام الحقيقي؛ فهو في الشدائد التي تتطلب ثبات الجنان وبذل النفس والمال، يرتد إلى جحر الجبن، وتنطفئ شجاعته الإلكترونية بمجرد خروجه من دائرة ‘الإرسال’، لتنكشف حقيقته كظاهرة إلكترونية تقتات على الضجيج وتخون المواقف عند أول اختبار للمرجلة الحقيقية.”

إن هذا “الهياط” الموسمي ليس إلا محاولة لمداراة شعور عميق بالدونية، وهرباً من واقع مهزوز إلى صخب مباهاة فارغة. فبينما يظن هؤلاء أن ضجيج القبيلة الافتراضية سيعوضهم عن وقار الشخصية الرزينة، تخبرنا الحقيقة أن الأصالة لا تسكن في منصات التفاخر، بل في ذلك الوصل الحقيقي الذي يبدأ بترك الهاتف جانباً، واحترام جلال اللقاء الإنساني، والإيمان بأن المواقف هي من تصنع الرجال، لا المنشورات الرقمية

د. مهدي نفاع بن مسلم القرشي
مكة المكرمة

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *