ورحل رجل البذل والعطاء والبشاشة

رحل أبوعبدالعزيز/ حمد بن عبدالعزيز الجميح/ رحمه الله عن دنيانا في ليلة السابع والعشرين من رمضان الحالي 1447هـ، وهو فرع مثمر ومغدق من شجرة دانية الثمار، وارفة الظلال، وكل فرع من فروع هذه الشجرة جدير بأن يفرد بحديث خاص، وقد أدركت من رجالها الكبار المؤسسين أربعة، وهم: عميد الأسرة محمد العبدالله، وأبناء أخيه عبدالعزيز الثلاثة: محمد وعبدالرحمن وحمد، رحمهم الله جميعاً، والشركة تحمل اسم والدهم عبدالعزيز، الذي توفي قبل سبعين عاماً تقريباً، وعمهم محمد، رحمهم الله جميعاً، وهؤلاء الأربعة الذين عرفتهم وتواصلت معهم تلقوا تربيتهم في المدرسة الجميحية، وهي مدرسة أسرية عريقة تقوم على الرجولة والسمت والتدين ومعالي الأخلاق وفي مقدمتها الكرم والبذل والعطاء والبشاشة والتواضع وفتح القلوب والمجالس لاستقبال الناس والاحتفاء بهم، ومجلسهم العامر في قصرهم بالرياض حديث الناس، فهو مفتوح ليلياً، ويلتقي فيه محبو هذه الأسرة بمختلف طبقاتهم وشرائحهم من السعوديين وغيرهم، وأغلب من يفدون إلى المملكة من العلماء والدعاة في الخارج يزورون هذا المجلس للسلام والشكر وعرض ما لديهم من مشاريع تحتاج إلى دعم، ويجد زائره الترحيب والحفاوة والضيافة الفاخرة بحضور ورعاية هؤلاء الرجال الكرام، باستثناء الشيخ عبدالرحمن فهو مقيم في جدة وله مجلسه الخاص هناك، وأنا أشرف بأنني من رواد مجلس الرياض بين الحين والآخر، وإذا أطلت الغياب جاءني الاتصال والعتاب من الشيخ حمد رحمه الله، وهذا الرجل يخجلك ويحرجك بحفاوته واهتمامه وسؤاله، وهذا دأبه مع رواد مجلسه وأحبابه، وكلٌّ يظن أنه يحظى بمكانة خاصة عنده، وقد قويت صلتي بالشيخ حمد رحمه الله من خلال مشاركتي في عدة مجالس وهيئات تحت رئاسته، ومنها: مجلس جائزة الجميح منذ تأسيسها قبل أكثر من عشرين عاماً إلى اليوم، ومجلس أهالي شقراء الذي تحول إلى جمعية التنمية في شقراء منذ تأسيسه قبل أكثر من عشرين عاماً إلى اليوم، وغيرها من اللقاءات والاجتماعات الطارئة، وكلها برئاسته في منزلهم العامر، وكذلك حضور حفل الجائزة السنوي في شقراء بصحبة الشيخ حمد رحمه الله، ومع الشيخين المحمدين في حياتهما رحمهما الله، كما شرفت بصحبة الشيخ حمد وتلبية دعوته لمرافقته إلى السودان في عامين متتاليين لرعاية وافتتاح عدد من المشاريع الخيرية المقامة على نفقته في مدينة الأبيّض والخرطوم، وقد شرفنا في الرحلتين باستقبال فخامة الرئيس الأسبق عبدالرحمن سوار الذهب لنا في المطار ومرافقته لنا طوال الرحلة، وهو رجل فريد في تواضعه وصلاحه وأخلاقه، كما سعدنا في الرحلة الثانية بمرافقة الصديق الحبيب الحميم الدكتور إبراهيم أبوعباة، وهو يحظى بمنزلة خاصة عند الشيخ حمد وعند الشيخين المحمدين قبله رحمهم الله، وصحبتي للشيخ حمد في هذه الرحلة كشفت لي المزيد من أخلاق الشيخ وصفاته، لأن السفر -كما يقال- يسفر عن أخلاق الرجال، وإن كانت أخلاق الشيخ سافرة بل ومتبرجة قبل هذه الرحلة، ولكنه ظهر لي فيها المزيد من جوهر هذا الرجل وصفاء معدنه وصعوبة تقليده أو مجاراته رحمه الله،ولأن أغلب المشروعات الجميحية في مدينة (الأبيّض) وهي مدينة الرئيس سوار الذهب، فقد سافرنا إليها من الخرطوم بالطائرة بصحبة الرئيس، وفي الأبيّض وجدنا استقبالاً حافلاً من كبار المسؤولين وأعيان البلد، وعلى رأسهم والي شمال كردفان التي عاصمتها الأبيّض، الأستاذ أحمد هارون، وقد افتتح الشيخ حمد بصحبة الرئيس والوالي وكبار المسؤولين عدداً من المشروعات، منها مسجد ومستوصف ومركز غسيل للكلى، ومشاريع أخرى لا تحضرني، كما زار عدداً من المشروعات التي تحت التنفيذ، ومنها جامع كبير ومستشفى وغيرها وأعلن عن تبرعه بمبالغ كبيرة لإتمام هذه المشاريع، وقد أكمل الشيخ رحمه الله هذه المشاريع ومشاريع أخرى في الرحلة الثانية التي حظينا فيها بصحبة أخي إبراهيم أبوعباة والشيخ جهاد العسكر المدير التنفيذي للمؤسسة الخيرية، وكان معنا في الرحلتين سكرتير الشيخ الأستاذ أبوعبيدة عبدالرزاق الإبراهيم، وهو (دينمو) الرحلتين سلمه الله، وحتى لا أطيل أود تذكير أبناء هذا الجيل من شباب شقراء وغيرهم بمآثر هذه الأسرة الكريمة في شقراء وفي غيرها من مدن المملكة، فهم جديرون بالثناء والدعاء والترحم على من مات منهم، ومن أقدم مشاريعهم في شقراء مشروع تفطير الصائمين وقد بدأ صغيراً عندما بنوا منزلهم الجديد – في حينه – عام 1286ه، قبل أكثر من 150 سنة، واشتهر المشروع وعرفه الناس قبل 130 سنة تقريباً حسب رواية مدير المشروع الحالي عبدالعزيز البخيتي عن الشيخ حمد رحمه الله شخصياً، وقد أدركت المشروع عندما كبر وصار حديث الناس وملتقى الفقراء والمحتاجين من سكان شقراء وما حولها من القرى والبوادي، وكنت مع أقراني ونحن في آخر الابتدائية ثم المتوسطة قبل قرابة ستين عاماً نتسابق لخدمة المفاطير الذين يغص بهم منزل الجميح في سوق الحسيني، وقد ذكر معالي الشيخ عبدالله بن منيع حفظه الله (وهو والدي من الرضاعة وابن عمة الوالدة رحمهم الله) أن سكان شقراء يزيدون في رمضان بنسبة ملحوظة لكثرة القادمين لها للإفطار والعشاء في بيت الجميح، وفي يوم العيد يحظى الجميع بما تيسر من المال وكسوة العيد، ومازال المشروع قائماً ومتطوراً تبعاً لتطور الحياة واتساعها في شقراء، وقد خُصصت قاعة كبيرة للمشروع تتسع لأكثر من 600 شخص، وكُتب عليها: (بيت المفاطير: مشروع الجميح لتفطير وتسحير الصائمين في محافظة شقراء) وملحق بها مطبخ كبير يتولى إعداد وجبات الإفطار والعشاء والسحور لهذا العدد الكبير الذين يفطرون داخل الصالة، وهناك سيارات تتحرك قبل المغرب لنقل وجبات جاهزة لعدد من البيوت داخل شقراء للأسر والعوائل المحتاجة، هذا أحد المشاريع، وهناك مشاريع أخرى ومن أهمها وأعظمها أثراً؛ لأنه لم يبق في شقراء وما حولها أحد لم يستفد منه، وقد عايشته وأنا صغير ورأيت أثره العظيم على الوالدة والجدة وكل أفراد الأسرة، وأعني به مشروع الماء والسقيا، فقد وفق الله أسرة الجميح إلى حفر بضعة عشر بئراً في طرف شقراء الغربي في منطقة تسمى (الرحبة) وهي الآن حي في وسط البلد، وبفضل الله ثم صدقهم ونيّتهم الحسنة تدفق الماء من هذه الآبار عذباً زلالاً، وصار مضرب المثل في حلاوته، ويشبهه الناس بماء نمار في الرياض المشهور وقتها بحلاوته، وصار مقصد البادية والحاضرة من أهل الضواحي حيث يردون بأغنامهم وإبلهم على الأمدية (جمع مِدي، وهي بِرك وأحواض ماء مستطيلة) بُنيت قرب خزان الماء الكبير الذي يضخ منه الماء إلى البلد عبر شبكة طويلة من الأنابيب إلى مساجد شقراء وأحيائها وبيوتها بيتاً بيتاً، وكانت شقراء بفضل الله ثم بفضلهم من أوائل المدن التي دخل الماء فيها إلى البيوت قبل أكثر من 65 عاماً، وانتهت فيه معاناة النساء من جلب الماء من آبار الماء المجاورة الملاصقة للمساجد، وقد عاصرت الوالدة والجدة رحمهما الله وجمعنا بهما في الفردوس الأعلى، وهما تعالجان بصعوبة ومشقة كبيرة جلْب الماء للمنزل من (مسقاة) مسجد الطريف المجاور لمنزلنا في حي (الشوذبي) بشقراء حيث كانتا – كغيرهما – يزعبْن الماء بالدلو من البئر ويسكبنْه في القدر أو القربة التي معهما، ويترددون في اليوم عدة مرات، وكان دخول حنفية الماء إلى منزلنا ورؤية الماء يتدفق منها بضغطة إصبع حدثاً كبيراً من أهم الأحداث التي مازالت محفورة في الذاكرة، وصورتنا ونحن مجتمعون أمام الماء وهو يتدفق من الصنبور لا تنسى والحمدلله، وأول ما رأينا نحن الصغار هذا الصنبور – قبل أن يدخل بيوتنا – في مسقاة (شريمة) القريبة من الجامع، وكنا منبهرين به ونتناوب في ضغطه والاستمتاع برؤية الماء يتدفق منه، ولا يقطع علينا هذه المتعة إلا قدوم أحد الرجال فنلوذ بالفرار. ومما أكرم الله به أسرة الجميح الكريمة تحملهم تكاليف هذه العمليات على نفقتهم، ودون أن يطلبوا من الناس ريالاً واحداً، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وقد استمرت هذه المبرّة الجميحية مدة طويلة، وهم يقومون برعايتها وصيانة مضخاتها وتمديداتها وإيصالها للبيوت الجديدة، ويحفرون المزيد من الآبار واحداً تلو الآخر حتى لا ينقص الماء على الناس إلى أن تولّت الدولة أعزها الله هذه المهمة عبر مشروعها الكبير. والذين يسمعون بقصة هذه المبرة من خارج شقراء يعجبون من تصدي أسرة واحدة لهذه المهمة الكبيرة المكلفة في مدينة بحجم شقراء في ذلك الوقت، لكنها الهمة والعزيمة والاحتساب وتوفيق الله وعونه قبل ذلك وبعده. وقد أتاح آل الجميح فيما بعد للراغبين من أهل البلد للإسهام معهم ومشاركتهم الأجر في هذا المشروع الخيري العظيم، ليس عجزاً عن القيام بأعبائه، وإنما استجابة لرغبة الناس وإلحاحهم، فظهر في شقراء بسبب هذه المبرّة نموذج جديد من وصايا الأموات لم يكن معروفاً من قبل بأن يُجعل ثلث تركتهم أو أقل من ذلك في هذا المشروع؛ لأنهم رأوا بأعينهم قبل وفاتهم الأثر العظيم لهذا المشروع على حياة الناس، ولما ورد من الأحاديث النبوية الصحيحة في فضل سقي الماء. ومن المبادرات الجميحية التي أدركنا بدايتها ونحن صغار مشروع إنارة المساجد والشوارع والأحياء بالكهرباء، ولم تعرف شقراء الكهرباء العامة لكل المدينة والبيوت إلا عن طريق شركة الكهرباء بعد عام 1385ه، برعاية الدولة أعزها الله، لذا كان لمبادرة الجميح هذه أطيب الأثر على الناس في المساجد وزوايا الطرق، ولم تكن الكهرباء معروفة في أغلب مدن المملكة،وكنا نحن الصغار نستمتع بالسهر تحت (اللمبة) القريبة من المنزل إلى أذان العشاء. ومبادرات آل الجميح في شقراء وغيرها كثيرة ويطول المقام بعرضها، ومن أبرزها بناء المساجد وفرشها وصيانتها ودعم الجمعيات الخيرية وتحفيظ القرآن. ومن آخرها -وليس الأخير- جائزة الجميح للتفوق العلمي وحفظ القرآن الكريم، التي مَرّ على بدايتها أكثر من عشرين سنة، وهي توزع كل عام في حفلين بهيجين للبنين والبنات في محافظة شقراء، ولا أذكر مشروعاً أقيم في شقراء إلا وللجميح فيه اليد الطولى. وعندما نشرت خبر وفاة الشيخ حمد رحمه الله في مجموعة (واتس اب) وعزّيت أسرته ومحبيه وخصصت أهل شقراء بالتعزية انبرى لي بعض الزملاء في المجموعة وهم من مختلف مناطق المملكة، وقالوا إن الشيخ حمد وأسرة الجميع ليسوا خاصين بكم يا أهل شقراء، فقد وصلتنا مآثرهم ومشاريعهم في مناطقنا، وقد سمعنا الكثير منها داخل المملكة وخارجها، وقد ذكر لي الشيخ محمد القرعاوي رحمه الله، وهو من العاملين مع سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله، أن الشيخ ابن باز يذكر أسرة الجميح بالخير ويدعو لهم، ويقول: بأنهم من أكثر من يقف معنا ويتحمل كثرة طلباتنا وشفاعتنا للمسلمين في الداخل والخارج، وبذْلُ هذه الأسرة وعطاؤها معروف مشهور لا يحتاج إلى دليل أو إثبات، فجزاهم الله عنا وعن مدينتهم وبلادهم والمسلمين خير الجزاء، ورحم الله من مات منهم وأعان الباقين على السير على خطى آبائهم وأجدادهم، ومن توفيق الله لهذه الأسرة الكريمة وحرصهم على استدامة عملهم واستمراره قيامهم بإنشاء أوقاف ومبرات خيرية، ومنها: مؤسسة آل الجميح الخيرية، ومؤسسة عبدالعزيز بن عبدالله الجميح الخيرية، ومؤسسة محمد العبدالله الجميح الخيرية، ومؤسسة محمد بن عبدالعزيز الجميح الخيرية، ومؤسسة عبدالرحمن بن عبدالعزيز الجميح الخيرية. وغيرها، وأتوقع أن يعلن قريباً عن مؤسسة للشيخ حمد أسوة بوالده وعمه وأخويه، وأسأل الله أن ينفع بهذه المؤسسات ويضاعف أجرهم ومثوبتهم رحمهم الله جميعاً، وبارك في ذرياتهم.

د. محمد بن خالد الفاضل

جامعة الأمير سلطان

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *