🖋️مما تميز به شيخنا معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ – حفظه الله – عنايته وحرصه الشديد على نشر العلم والدعوة إلى الله تعالى ، وحث الدعاة وطلاب العلم على بذل الكلمة ، وإسداء النصح والتوجيه ، لجميع فئات المجتمع ، بحكمة وعلم وفقه ، ومن ذلك أيضاً عنايته برجال الأمن وتوجيههم ، بتحصيل العلم ، والقيام بالدعوة والتوعية ، لتعزيز العقيدة الصحيحة في نفوسهم ، وترسيخ قيم الولاء للدين والوطن ، وتحصينهم ضد الأفكار المتطرفة ، وربطهم بالوسطية والاعتدال ، في أكثر من مناسبة ومحاضرة ، وندوة ولقاء ، وكان من آخر ذلك محاضرته القيمة ، والتي ألقاها معاليه – حفظه الله – مؤخراً ضمن فعاليات “ملتقى الكتاب والسنة” المصاحب للمسابقة المحلية السابعة في حفظ القرآن الكريم للعسكريين بوزارة الدفاع والمنعقدة في مكة المكرمة بتاريخ ١٨ شوال ١٤٤٧هـ .
وكانت هذه المحاضرة بعنوان “المنهجية في العمل التوعوي” وإليكم أبرز ماجاء فيها حيث أستهلها شيخنا – حفظه الله – بأهمية الدعوة ، مع بيانٍ ماتعٍ لمفردات عنوانها ، وذكر بأن الدعوة والتعليم قد جعل الله جلَّ وعلا لها منهجاً ؛ والتعليم هو أساس عمل الرسل ، وإنّ الرسل جاؤو ليعلموا الناس {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} وقال جلَّ وعلا لنبيه – صلى الله عليه وسلم – {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}. وقال جلَّ وعلا على لسان عيسى – عليه السلام – وهو في المهد {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا}.
قال أهل العلم بالتفسير {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ} هو طفل في المهد يعني: بما سيكون عليه في الرسالة .
والبركة: هي النفع الكثير {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا} قالوا: بنشر العلم أينما كنت ، يعني: العلم المتلقى عن الله جلا وعلا ، فالعلم الذي هو أساس الدعوة .
و”التوعية”: كلمة إسلامية ، ليست موجودة قبل الإسلام ، في كلمات كثيرة في الشريعة إسلامية ، كلمات كثيرة في اللغة إسلامية ، يسميها ابن فارس في كتاب “الصاحبي” الأسباب الإسلامية ، مثل الصلاة معناها: الثناء والدعاء ، لكن في الإسلام ثناءٌ ودعاءٌ خاص بهذه الصلاة المعروفة ، الزكاة معناها التطهير ، لكن الزكاة صار لها كذا ، الصيام معناه الإمساك ، ثم صار على هذا النحو .
“الدعوة”: كانت دعوة إلى وليمة ، إلى مناسبة ، إلى زواج ، ثم صارت “الدعوة” عنوان على شيء خاص في الإسلام ، من ضمنها الألفاظ التي صار لها خصوصية في الإسلام .
التوعية: و”التوعية” أخذت من قول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: “نضَّر الله امْرَأً سمِع مقالَتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع”.
وعاها فأداها ، يعني هو وعى ، التأدية : هي “التوعية”.
أداها تأديةً فوعاها توعية ، فصارت “التوعية” لفظ إسلامي.
“المنهج”: هو الطريق ، ولكل أحد منهج ، قال الله جلَّ وعلا {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ}.
شرعةً: شريعة ، ومنهاجاً: سنة وطريق تمشون عليه ، في أداء هذه الشريعة ، وأداء ما أنزل الله جلَّ وعلا .
إذن “المنهاج” هو الطريق ، ولا يبتدع ، جعله الله جلَّ وعلا فلذلك يتبع ما جعله الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ولصحابته رضوان الله عليهم ، كما قال جلَّ وعلا في سورة يوسف {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي} يعني: هذا منهجي {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.
لابد أن يكون هناك “منهج” ثابت للتوعية ، و”منهج” موروث ، لأن الذين أثروا على الإنسان منذ فجر الرسالة ؛ أخذوا هذا “المنهج” وأثروا به ، وصنعوا الرجال ، وصنعوا الأسر ، وصنعوا المجتمعات ، وصنعوا الأبطال ، وقامت الأمة قوية على المنهج منذ نشأتها إلى يومنا هذا .
▫️معالم المنهجية في العمل التوعوي.
يتحدث شيخنا هنا عن “المنهج” وأبرز معالمه قائلاً: هذا المنهج له معالم عامة وله خصائص ، وهذا المنهج – منهج التوعية ومنهج الوعي – له أسس يرجع إليها ؛ أعظم هذه الأسس والمعالم :
🔹الإستدلال بالكتاب والسنة:
المرجع العلمي ، يعني المرجع الأساسي الذي يبنى عليه كل شيء ، أن يكون الدليل من الكتاب والسنة ، وتفقه العلماء في الكتاب والسنة .
في المئة سنة الأولى لا يوجد خلافات في فهم الكتاب والسنة ، إلا فيما شذ عند طائفة الخوارج أو طائفة القدرية ، والبقية على فهم الكتاب والسنة متقاربين ، يعني: غالباً في اختلاف تنوع ، وليس اختلاف تضاد .
الإعتماد على الكتاب والسنة ، يعني: الإعتماد على القرآن في الحجة ، ماذا يعني؟ إعتماد معناه: أنك أنتَ في سيرك في التوعية الإسلامية ، تحرص أنه في كل موضوع ، تحفظ آية على الأقل – آية واحدة كافية في أي موضوع – إذا حفظت آيتين يكون أبلغ ، حفظت ثلاث آيات يكون أبلغ في تأدية رسالة التوعية الإسلامية لمنسوبيكم .
وكذلك إذا حفظت أحاديث في الموضوع ، يكون هذا أبلغ في التأثير ، حتى يتحقق “المنهج” ما يكون الواحد يأتي بكلام من رأسه ومن فهمه ، لأن الفهوم تتباين وتختلف ، فالإلتقاء – إلتقاء مسيرة التوعية – مايصير فيه اختلاف بين منسوب للتوعية وآخر ، أن يتقاربوا بالأخذ من منهج واحد ، يعني: منهج الإستدلال ، يكون استدلاله حافظ للكتاب والسنة .
(من تجارب شيخنا الدعوية)
وبالتجربة العملية في الدعوة: أكثر ما يؤثر على الناس الدليل – الكتاب والسنة – إذا ألقيا بنفس مؤمن ، إذا ألقاه مؤمن بقلبه ، وحققه بصوته ، وقوى إرادته ، في تأدية المعنى يؤثر على النفوس بقوة ، أما إذا استدل إستدلالاً كأنه يقرأ ، بدون مايكون معه تأثير فإنه لا يبلغ هذا التأثير المطلوب ، لذلك جاء في وصف خطب النبي صلى الله عليه وسلم ، التي يخطب فيها بين الصحابة ، كأنه منذر جيش! ، يقول: “صبحكم ومساكم” .
النبي صلى الله عليه وسلم في بعض المواعظ ، ليس دائماً إذا وعظ كأنه منذر جيش! يقول: “صبحكم ومساكم” ليكون أبلغ في التأثير ، وأقوى في بيان المعنى .
🔸الحث على الإجتماع والبعد عن الإختلاف:
أن نكون بعيدين عن الاختلاف ومع الإجتماع ، لأن فهم الكتاب والسنة ، وأداء الكتاب والسنة ، يجب أن يكون عن طريقة من فهموه فهماً صحيحاً لا اختلاف فيه ، وهم جمهور عامة علماء السلف الصالح – رضوان الله عليهم – من الصحابة الأجلاء ، والتابعين الكبار ، ومن تبعهم ، ثم الأئمة الأربعة ، ومن نحا نحوهم ، وأئمة أهل الحديث الذين أخذوا هذا المنهج وبينوه ، هذا منهج التلقي ، عرفنا المصدر من أين نتلقى فهمه ، فنفهمه عن طريق هؤلاء .
🔹الوضوح في البيان:
أن يكون هناك وضوح في أن رسالة الأنبياء جاءت بلسان ، الأنبياء جاؤوا أقوامهم ، ليسوا على نهج واحد في البيان – البيان يختلف – لذلك الله جلّ وعلا قال : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } يعني : إذن اللسان ليبين ، يعني : مو ليسمعهم ، { بِلِسَانِ قَوْمِهِ } مو ليبلغهم : ليبين ، فإذن وظيفة اللسان: هي البيان ، فإذن اللسان أعم من اللغة ، وهذا الذي يقوله أهل العلم ، أن كل نبي أرسل بلسان قومه ، يعني : بما يصلح لهم من البيان الذي يناسب تفكيرهم ، ويناسب عقليتهم ، ويناسب وضعهم .
من هذا انطلق العلماء إلى أن التوعية والدعوة ، لابد أن يراعي فيها اللسان الذي ينتفع به ، هذا يشمل اللغة ، ويشمل طريقة الأداء ، ويشمل التبسيط ، وتسهيل الدعوة ، وتسهيل الموعظة ، أو تقوية الموعظة ، أو تمتينها ، بحسب المخاطب ، ولذلك أنت تنظر لمستوى الحاضرين ؛ مستوى الحاضرين عامة الجنود ، عامة الناس يعني : الناس البسيطين ، لهم لغة ، ولهم طريقة في التأثير، إذا صاروا متعلمين وضباط لهم طريقة أخرى ، مستوى محتوى الموجود ، في أصول واضحة عند الجميع ، بس طريقة الأداء ، طريقة اللسان ، طريقة التبليغ ، طريقة التأثير هذه لابد أن تكون بحسب كل حال ، لذلك قال الله جلّ وعلا { لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } يعني : ليشرح لهم ويوضح حتى تقبل الرسالة الدعوية والتوعية لهم .
البيان يختلف بحسب الحال ، يختلف بحسب الأولويات ، يختلف بحسب المقام ، فمرات نتكلم عن أشياء ونركز عليها ؛ قد مانركز عليها في وقت آخر ، لكن هو مقتضى الحال يقتضي أن نختار مايتمثل فيه البيان ، الذي أمر الله جلّ وعلا به .
فقوله { لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } هو يختلف بإختلاف الأشخاص والأحوال ، ويختلف بإختلاف الناس ، فلغتنا مثلاً في مجال ليست لغتنا في مجال آخر ، اللغة التي نقولها في المسجد في تبليغ العلم ، ليست هي التي نقولها – هو نفسه العلم – لكن ليست هي اللغة التي نقولها مع المرابطين ، تختلف هذه شيء ، وهذه شيء ، لأن المقصود هو إيصال الحق ، وإيصال البيان للنفوس .
وتأتي هذه المحاضرة من شيخنا – حفظه الله وسدد على طريق الحق والخير خطاه – وغيرها من اللقاءات في مجال الدعوة إلى الله تعالى ؛ تحفيزاً وتعليماً لجنودنا البواسل ، الساهرون لأجل راحتنا واستقرارنا ، لتحقيق الأمن والطمأنينة ، ونسأل الله عزوجل أن يحفظ قيادتنا وشعبنا ، ويعزز أمن هذا الوطن الغالي الذي نعتز به جميعًا .
🔘*إضـــــــ💡ــــــــاءة*:
لشيخنا – حفظه الله – محاضرة قيمة بعنوان : ” أثر العلم الشرعي في تعزيز الأمن الفكري” أنصح بالإستماع لها .
مقالات سابقة للكاتب