خليص في التاريخ المنسي ( 52 )

قراءة في الذاكرة

من الأدعية التي كانت تتردد على ألسنة الناس قديمًا عند ظهور سحابة أو بوادر مطر: «يا الله مطر وسيل قبل الليل». وكانت عبارة «قبل الليل» هذه تضايقنا نحن التلاميذ آنذاك، وتدفعنا إلى أن نقوم بتعديل الدعاء في سرنا إلى: «بعد الليل»؛ لأن ذلك يعني استمرار المطر إلى الصباح الباكر، فلا نذهب إلى المدرسة.

ومنذ العصر القديم إلى زمان أبنائنا هذا، ما زالت أحلام الصبيان أو التلاميذ لم تتغير؛ فالأمنيات الملحة بنزول مطر الصباح، وثقل يوم السبت، من الأمور المزمنة التي تبقى مع كل واحد أمنية في الصغر وحسرة في الكبر.

ربما تبقى هذه المقدمة من التاريخ عالقة في ذاكرة كبار السن، ولم تعد توثيقًا لحالة أو تفصيلًا لمرحلة راهنة؛ ذلك أن الأرصاد الجوية كفلت الإعلام بحدوث المطر والسيل، وتغير المعنى كما تغير توقيت بداية الأسبوع. لكن السؤال بقي حادًا كشفرة: ما الذي يجعل المطر والسيل في الليل غير مرغوب فيهما؟

يبدو الجواب هيّنًا على رأس القلم واللسان: لأن الليل أعمى، فكيف إذا اجتمعت الظلمة والسيل! وما استجد هو ظاهرة التجول في الأمطار والسياحة في السيول.

هل يمكننا كتابة تاريخ للسيول الكبرى في خليص؟ يبدو الجواب موغلًا في التشكيك وإن بدا على مقربة من اليقين. ويرجع ذلك إلى تعدد المصادر:

1- السيول الواردة في كتب الرحالة.

2- السيول المحفوظة في روايات كبار السن.

3- السيول الموثقة رسميًا منذ إنشاء المكتب الزراعي وتطبيقات الاتصال الحديثة.

وعلينا أن نعترف أن السيول الكبيرة أصبحت علامات تحفظها الذاكرة الشعبية أكثر مما تحفظها الوثائق. وكنا قبل اعتماد 1/7 تاريخًا لميلادنا نؤرخ بالسيل الكبير: قبل وبعد! ولم تكن السيول دائمًا كارثية، بل كانت جزءًا من منظومة دورة الحياة، بما يزيد من منسوب المياه الجوفية، ويحسن خصوبة التربة الزراعية.

وليس غائبًا عن الذاكرة حيازة أهالي خليص مخططات سكنية آمنة من السيول، وتسهيل القروض العقارية بعد كارثة سيل عام 1395هـ.

وبعيدًا عن جدلية «الضار والنافع»، فإننا نميل إلى التعامل مع السيول بوصفها أحداثًا اجتماعية وتاريخية، لا مجرد تواريخ وأرقام. فمن الملاحظ على خارطة المطر والسيل أنه، رغم توفر الماء في المنازل عبر شبكات المياه ومشاريع التحلية العملاقة، فإن تعطش الإنسان إلى المطر بقيت منه بقية منغرسة في إحساسه، وتكونت عليها ذراته الجمالية والوجدانية، وتداخلت مع جهازه العصبي.

وهو لا يتخلى عن طقوس المطر التي كان يقوم بها حين يرى النوء؛ فيترقب البرق ويخيل السحاب، ويفرق بين سحابة الصيف والسحابة التي تحمل الخير. وتنشأ معها ثقافة شعبية يشترك فيها الصغير والكبير، والمتعلم والجاهل، والرجل والمرأة حين يخيلون المطر، ويتوقعون جهته ونوعه وكميته.

ورغم الكوارث، يرسم الناس للمطر والسيل صورة جميلة تلتحم بذاكرتهم وتستقر في أذهانهم. وتبقى لإنسان هذه الأرض علاقة وجدانية بالأمطار منذ أن كان يستسقي ويستقطر السماء على النحو المشهور في الجاهلية والصورة المعروفة في الشريعة الإسلامية، ومنذ أن كان يدعو لديار أهله وديار أحبابه بأن يسقيها «الحيا» أو يسقيها السيل.

ورغم ما أسميه «طيبة خاطر» بهذا الرقص على المأساة، أتخيل الموكب الجنائزي الذي جرد خليص من تاجها، وحول نجاحاتها إلى خيبات أعادتها إلى بؤس المعاش وقهر الظروف، وجرف اخضرارها وفواصل ملكياتها، وأفزع السمار حول مواقد المتعة، والحالمين بالثراء، وحكايات ليلى وشهرزاد وعايشة؛ تلك المخيلة الأسطورية التي تغذي المعنى الملتبس للزمن والوجود.

إنها حالة كتلك التي تتكرر في الحروب؛ النكبة والنكسة. فلم تعد خليص بعد سنة 1395هـ ذلك البلد الذي عرفناه. كان سيلها جارفا ومميتًا كقيامة صغرى!

 

محمد علي الشيخ

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *