بين الفصحى والعامية (الحلقة الثانية)

الفصحى:

أنتِ أيتها العامية، لستِ أختي الشقيقة، ولستِ لي رفيقة، وإنما قمتِ على أكتافي، وتلبستِ بجزءٍ يسيرٍ من لباسي؛ لتوهمي عشاقك أنك أختي من بطنٍ وظهر. فرضيتِ بالكسر في موضع الرفع، وبالحركة في موضع السكون، والعكس صحيح، وتمردتِ على محددات النطق السليم، الفرعية منها والأصلية، فصار اللحن لك سمةً لازمة، وعبثت بك لهجات القوم، حتى لا يكاد يفهم بعضهم ما يقوله بعضٌ آخر.

وبهذا تحررتِ من أغلب مقومات الجمال والكمال، واعوجَّ بك اللسان عن الفصاحة والبيان.

فكنتُ أنا البلسم الشافي لكل مرض تسببتِ فيه، أو نقلتِه إلى مجتمعي، والسلسبيل لإرواء غليل المتعطشين إلى البديع والبيان، فتوحَّدت كلماتهم، وتقاربت لهجاتهم.

هذا، وقد حفظني الله سبحانه وتعالى من الموت أو الضياع بإنزال كتابه الكريم بلساني العربي المبين، فسأكون حيَّةً ما دام هذا القرآن يُتلى، وإن أصابني شيءٌ من الضعف أو الوهن، فسوف أستجمع قواي وأعود كما كنت.

العامية:

على رسلك أيتها المهيبة، لك مكانتك السامية، ولك قدرك الكبير عند من عرف مكانتك وقدرك، ولكن الواقع غير الحلم، والممارسة دليلٌ حسي على عدم معرفة قدرك من أولئك الذين قعدت بهم فطنتهم عن خوض غمارك، ومعرفة أسرارك، والاستمتاع ببيانك.

انظري إلى أسماء المؤسسات، ولوحات المحلات التجارية، وقاعات وقصور الأفراح، والدعاية والإعلانات، فسترين ما لا يعجبك، بل تعدى الأمر إلى أسماء المواليد؛ فقد سُمُّوا بأسماء لا تمت إليك بصلة، لا بالتصريح ولا بالتأويل.

فأنتِ قد أصبحتِ بين فكَّي مفترس: عقوقٍ من أبنائك، ومزاحمةِ اللغات الأخرى التي قد غزتك في عقر دارك، بل ركب أبناؤك من أجلها البحر والجو، وعادوا بها إليك لتساكنك في بيتك، وتشاركك حياتك اليومية، دون عنايةٍ بك منهم.

فأنتِ على خطر، وفي خطر، وخاصة من الشعر الشعبي بجميع أنواعه وألوانه (من نظم، وقلطة، وعرضة…) الذي يحظى بجمهورٍ عريض، وعشاقٍ كُثر، وبدعمٍ شعبيٍّ لا محدود، بل أصبح مصدرًا للترزق، وبابًا مفتوحًا للتكسب على مصراعيه، وهذا مما يزيد الأمر شدةً وتعقيدًا.

فانظري ماذا ستفعلين أيتها الفصيحة في أمرٍ قد أحاط بك إحاطة السوار بالمعصم، أو كإحاطة القلادة بالعنق.

الفصحى:

سأفند كل ما ذكرتِه يا أيتها الزاحفة في غسق الدجى، في الحلقة الثالثة، بالدليل والبرهان ما أمكن ذلك، وإلى هناك سنلتقي، وعند القضاء تجتمع الخصوم.

حامد بن جابر السلمي

مدير عام التعليم بمنطقة مكة المكرمة سابقًا

جدة، 24 من ذي الحجة 1447هـ

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *