أسياد الأثر.. متقاعدون لا يرحلون برحيل الكراسي

ليست كل النهايات خسارة، ولا كل توقفٍ انطفاء. هناك لحظة فارقة في حياة كل إنسان، يخلع فيها ثوب الوظيفة الرسمي، ليقف أمام مرآة الحياة مجرداً من المسميات البراقة، غنياً بما قدّم، لا بما كان يحمل من ألقاب.

هذا المنعطف الحاسم هو “التقاعد”؛ المحطة التي يظنها البعض خريفاً ونهاية، بينما هي في ميزان الحقيقة ربيعٌ وبداية أخرى. إنه اختبار من نوع فريد، لا يُقاس فيه الإنسان بما أنجزه في أروقة العمل من مهام، بل بما غرسه في قلوب الناس من أثر.

ومما يثير التأمل في سوق الوظائف، كم من مسؤولٍ غادر منصبه فغاب معه اسمه وتلاشت سيرته وكأنه لم يكن، وكم من موظفٍ بسيط تقاعد فبقي حاضراً في الوجدان، تُذكر مواقفه، وتُروى سيرته، وتُستعاد كلماته في كل مجلس. الفارق هنا بسيط وعميق في آن واحد: الأول كان مجرد “رقم وظيفي”، بينما الثاني كان “إنساناً”.

إن المتقاعد الأجمل ليس من صعد أعلى قمم الهرم الوظيفي، بل من ثبتت أخلاقه وبساطته حين صعد، وبقيت شامخة كما هي حين نزل. ذاك الذي لم تُغيره السلطة ولم تُسقطه العزلة، لأنه كان يبني في داخله حصوناً من القيم لا تهدمها الأيام، مدركاً أن الكرسي وسيلة لا غاية، وأن قيمته الحقيقية لم تكن يوماً في حجم مكتبه، بل في عمق بصمته. فالمقاعد تُسترد، والمناصب تُسحب، والألقاب تُنسى.. أما الأثر الصادق فلا يغيب.

وحين تلتقي بهذا الصنف من البشر بعد تقاعدهم، تجدهم كالأشجار المثمرة.. بل أجمل. تراهم أكثر هدوءاً، أصدق كلمة، وأقرب إلى القلوب. يعطون بلا مقابل، ينصحون بلا استعلاء، ويقتربون من الناس بلا تكلف؛ لأنهم ببساطة فكّوا شفرة الحياة الكبرى: ما يبقى لك ليس ما تملكه، بل ما تمنحه.

وهذا النبل لا يتوقف عند عتبة العمل، بل يمتد إلى البيت والمجتمع. المتقاعد الحقيقي هو من يعود إلى عائلته ليكون بينهم “حياة” وبهجة، لا عبئاً ثقيلاً. إذا جلس أنصتوا له حباً، وإذا تحدث احترموه تقديراً، وإذا غاب افتقدوه شوقاً، ففي حضوره طمأنينة، وفي كلماته حكمة، وفي صمته وقار.

ذلك أن السجل الحقيقي للموظف لا يُكتب في ملفات الموارد البشرية، بل يُكتب في صحائف المواقف الخفية: دعوة صادقة بظهر الغيب، قلبٌ مكسورٌ جَبَره، معروفٌ أسداه في عتمة الأيام، وأثرٌ طيب لا يمحوه الزمن.

ويا من تسير اليوم بخطى متسارعة نحو التقاعد: لا تخف من نهاية الخدمة، بل خف أن تنتهي رحلتك دون أثر. ازرع اليوم تحت ظلال وظيفتك ما تحصد حلاوته غداً، وابنِ لنفسك مكاناً راسخاً في القلوب لا في الكراسي. وفي نهاية المطاف، أيها الموظف العزيز اعلم.. حين تنتهي الوظيفة، أن هناك من ينتهي معها، وهناك من يولد من جديد.. فاختر لنفسك أيهما تكون!

د. فيصل بن غازي الحازمي

مقالات سابقة للكاتب

3 تعليق على “أسياد الأثر.. متقاعدون لا يرحلون برحيل الكراسي

الشيخ مرزوق بن ماضي الصحفي

احسنتم وأجدتم دكتور فيصل ,
مثل عادتكم ومن اول يوم عرفناكم ،
حيث ترجمتم المسيره المميزة والحافلة بالعطاء والتى لا يشوبها نقص ولا كدر ، بالتالي . ان الحكمة والاخلاق النبيلة وحب العطاء الصادق الذي لا تحده وظيفة ولا يوقفه تقاعد ، هو رأس المال الحقيقي الذي ينهل منه كل مدرك ،
وقد تمثل كل هذا النبل والعطاء المستمر في شخصكم الكريم ،
و ما حواه مقالكم من توجيهات وعبارات تكتب بماء الذهب ، اكبر دليل على ما نقول ، وفقكم الله لكل خير

عبدالقادر حامد الشيخ

ماشاء الله تبارك الله مقال رائع من اداري محنك وبين سطوره نصيحة عميقة لمن هم على رأس العمل لتكوين أثر لهم يُذكرون به عند تقاعدهم ليضيء لهم حياتهم التقاعديه في قلوب الناس

أحمد بن مهنا الصحفي

أنت تكتب لمن يشبهك .! أولئك الذين زرعوا ليستمر ثمار زرعهم ، لمن وعوا معنى الاستدامة ، لمن ينظرون لغد طيلة فترة حياتهم وليس فقط فترة عملهم ، لاشك أن التقاعد النظامي أو ماقارب وقته مرحلة مختلفة تنسلخ فيها مرحلة الشباب وقوة الأمل العاجل وتلج مرحلة لا تستأذن أحدا هي أقرب نظرة وأبعد أملا، والعاقل من قبلها إن لم يرحب بها ويستقبلها كضيف واجب التكريم… ما أعمق معاني ماكتبت يا دكتور فيصل ! ولاغرو فأنت لذلك أهل !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *