النفاق المهني

حين تتفشى بعض الآفات في المجتمعات المهنية فإن أثرها لا يقف عند حدود الأفراد، بل يمتد ليُضعف القيم، ويشوّه المبادئ، ويهز الثقة التي تُبنى عليها العلاقات المهنية السليمة.

ومن أخطر تلك الآفات النفاق المهني؛ لأنه يتخفى خلف شعارات الأخلاق، ويتزين بعبارات التقدير، ويتحدث كثيرًا عن المبادئ، بينما يمارس في الخفاء ما يناقضها.

ولأن هذه الظاهرة أخذت تتسع في بعض البيئات المهنية، وأصبحت تمثل سلوكًا يتعارض مع القيم والمبادئ التي يفترض أن تحكم العلاقات المهنية الراقية، كان من الواجب التنبيه إليها والحديث عنها بوصفها آفة لا تقل خطرًا عن أي خلل مهني آخر.

ففي الحياة المهنية لا تؤذيك الخصومة الواضحة بقدر ما يؤذيك أولئك الذين لا يُعرف لهم وجه ثابت.

أشخاص يتحدثون بلغة القيم، ويتزينون بالمبادئ، ويكثرون من مفردات الاحترام والتقدير، حتى تظن أن ما تسمعه انعكاسٌ لما يؤمنون به، ثم تكتشف مع الوقت أن الكلمات كانت جزءًا من المشهد لا جزءًا من الحقيقة.

إنهم لا يقفون مع فكرة، ولا ينحازون إلى مبدأ، ولا يلتزمون بموقف؛ بل يتقنون فن البقاء قريبين من الجميع مهما تناقض الجميع.

لا يصنعون الأحداث، بل يتكيفون معها، ولا يقودون الاتجاه، بل يراقبون إلى أين تميل الكفة ثم يتحركون.

تراهم يصفقون للشيء ونقيضه، ويمدحون الشخص وخصمه، ويجمعون المتناقضات في خطاب واحد دون أن يشعروا بأي حرج؛ لأن غايتهم ليست الاتساق، بل المحافظة على الصورة.

ومع مرور الزمن يصبح التناقض عندهم مهارة، والتلوّن ذكاءً، والحياد الانتقائي حكمة، حتى يختلط عليهم الفرق بين المرونة وفقدان المبدأ.

والمؤسف أن هذه الآفة لا تُكتشف من أول لقاء، بل تحتاج وقتًا؛ لأن الأقنعة المهنية غالبًا ما تكون أكثر إتقانًا من الأقنعة الاجتماعية.

وما يجعل النفاق المهني أكثر خطورة أنه لا يقتل الكفاءات مباشرة، بل يقتل الثقة بينها، ولا يفسد العلاقات وحدها، بل يفسد البيئة التي تنمو فيها العلاقات.

فحين يعتاد الناس رؤية التناقض بين القول والفعل، وبين الشعارات والممارسات، يصبح الصدق استثناءً بعد أن كان أصلًا، وتصبح المبادئ عبارات تُردد لا قيمًا تُمارس.

لكن الزمن يبقى أكثر النقاد عدلًا؛ فهو لا يحاكم الأقوال، بل يكشف العلاقة بين الأقوال والمواقف، ويُظهر الفجوة بين ما يُقال وما يُمارس.

فالثبات لا يحتاج إلى ذاكرة قوية، أما التلوّن فيحتاج أن يتذكر صاحبه أي وجهٍ كان يرتديه بالأمس.

وإيّاك أيها المتقنّع أن تخلع قناعك؛ فربما كان القناع أجمل ما فيك، وربما كان ما خلفه أشدَّ قبحًا مما حاولت طويلًا إخفاءه.

فبعض الوجوه لا يفضحها التزييف، بل يفضحها الصدق حين يظهر.

وحين يسقط القناع لا يكتشف الناس حقيقة صاحبه فحسب، بل يكتشفون أن ما منحوه يومًا من ثقة كان في غير موضعه.

فالثقة تُبنى على مدى سنوات، وقد تهدمها لحظة انكشاف واحدة، أما المبادئ الحقيقية فلا تحتاج إلى أقنعة، لأنها تظهر في المواقف قبل الكلمات، وفي الثبات قبل الادعاء.

 إبراهيم بن عبدالله الشريف

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *