الترند: هل هو نافذة للوعي … أم فخ لتشتت المجتمعات؟

بين رشفة قهوة الصباح ونظرة خاطفة إلى وجوه الشاشات التي لا تنام، نجد أنفسنا في شِباك سؤال واحد يطاردنا كل يوم: ما الجديد؟ سؤالٌ بسيط في ظاهره، لكن “الترند” يتطوع بالإجابة عنه كشاهدِ عصرٍ لا يصمت. ولو أنني لستُ مِمّن يرحبون بالغرباء في لغتنا العربية، إلا أن هذا “الوافد الأجنبي” فرض نفسه بديلًا عن مسماه العربي الرصين “الاتجاه”. “الترند” في جوهره ليس مجرد أرقام، بل هو كائنٌ يعيش على العدوى العاطفية والفكرية؛ إنه وحشٌ جماعي يركض، فيشعر الفرد منا برعب العزلة إن لم يركض معه، مجبرًا على الانخراط في ضجيجه لئلا يلفظه مجتمع الأضواء الرقمية ويتركه وحيدًا في عالم مليئ بالمعرفة.

ولأن “الترند” تنصّب اليوم مخبرًا أولَ للعالم، تراه يجتذب كل من يريد ملامسة نبض الشارع؛ فهو ينفض الغبار عن جمود الأخبار التقليدية، ويهبُنا الخبر مكسوًا بملامح الناس، مشحونًا بغضبهم، ومزيّنًا بضحكاتهم. إنه الناقل الأكثر حيوية، حتى وإن تعمّد أحيانًا المبالغة والاستعراض.

وأما عن اِتباع “الترند”، فهو ليس خيرًا محضًا ولا شرًا مطلقًا، وإنما يعتمد على الدافع الذي يحرك من يتبعه. قد يكون الهدف من متابعته “مواكبة للحدث” حين يكون وسيلة للبقاء على اتصال بنبض العالم وفهم ما يدور حولنا، مما يجعله نافذة ذكية تمنحنا سرعة الوصول إلى الخبر والتفاعل مع المجتمع. لكنه يتحول إلى تشتت رقمي حين يغرق الشخص في كل ضجيج تافه لمجرد الهوس بالملاحقة، فيفقد خصوصية تفكيره ويستهلك طاقته في أمور تولد وتموت في يوم واحد؛ فالمسألة كلها تعود لمدى سيطرتك أنت على الموجة، أو السماح لها بجرفك خلفها.

وبالنسبة للمجتمع، أحدث “الترند” اليوم تحولًا جذريًا، إذ صنع مساحة رقمية واحدة تُحدث تفاعلًًا في مواضيع معينة، وقد خلقت هذه المساحة جوًا عامًا من التلاحم والوعي المجتمعي السريع بالقضايا الهامة، ولكنها في المقابل فرضت قوالب فكرية متطابقة جعلت جزءًا من المجتمع يخشى الخروج عن السائد. هذا التأثير المتسارع جعل المجتمع يقدس اللحظة على حساب العمق، حتى باتت القيمة تُقاس بحجم الضجيج والانتشار لا بجودة المحتوى؛ وتبعًا لذلك برزت شخصيات وتصرفات هشة تصدرت الواجهة لمجرد أنها واكبت الموجة. وبالرغم من قدرة “الترند” على تجسيد التضامن الإنساني وتحقيق العدالة في القضايا الإنسانية بلمح البصر، إلا أنه أورث المجتمع حالة من القلق الرقمي المستمر؛ إذ أصبح التواصل رهينًا بما هو رائج الآن، وما إن تنطفئ شعلة “الترند” حتى تُنسى أعمق القضايا كأنها لم تكن، مما جعل الذاكرة المجتمعية أكثر اتساعًا لكنها أقل عمقًا واستمرارًا.

نهاية القول، يظل “الترند” موجة لحظية عابرة وسط مساحة رقمية واسعة تعكس سرعة العصر وتقلباته. والذكاء ليس في محاربته ولا الانجراف خلفه بلا وعي، وإنما في إدراك متى تكون هذه الموجة وسيلة للارتقاء بمجتمعاتنا، ومتى تكون مجرد ضجيج يستنزف من طبيعتنا. علينا أن نتعامل مع “الترند” كنافذة نطل منها على العالم، نشاهد ما يثري معرفتنا، ونُصدّر من خلالها أيضًا موروثنا وقيمنا إلى الآخرين، ليتحول “الترند” في أنضج صوره إلى حوار حضاري لحظي يخدم التطور الإنساني المشترك.

منال العتيبي

 

 

 

 

 

 

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *