يُعدُّ اتخاذ القرار من أهم العمليات التي تواجه الأفراد والمنظمات على حدٍ سواء؛ إذ يرتبط بمجموعة من المعايير والمحددات والمعطيات التي تحكم اختيار البديل الأنسب من بين عدة خيارات متاحة.
فعندما يواجه الإنسان أو المنظمة موقفًا يستدعي اتخاذ قرار، يبدأ التفكير في مجموعة من الخيارات المحتملة، ويقوم بموازنة الإيجابيات والسلبيات لكل منها. هذه العملية تتطلب وعيًا عميقًا بالحقائق، وفهمًا دقيقًا للظروف المحيطة، بالإضافة إلى القدرة على تقييم المخاطر والعوائد المحتملة. بناءً على ذلك، يتبلور لديه رأيٌ سديد، وقرارٌ حكيم يقوداه إلى اختيار البديل الأفضل والأصلح.
إن القرار الرشيد هو ثمرة عملية فكرية بنّاءة مدروسة تعتمد على المنطق والتحليل والاستقلالية في التفكير. فالقرار الذي يُتخذ بعناية ووعي يحقق أثرًا إيجابيًا ملموسًا، سواء كان ذلك على مستوى الفرد في حياته الشخصية أو على مستوى المنظمات في تحقيق أهدافها واستراتيجياتها.
فالقرار الرشيد هو مزيج متكامل بين الإلهام والبناء؛ حيث يسهم الإلهام في توجيه الفكر نحو حلول مبتكرة، بينما يضمن البناء المدروس تحقق هذه الحلول بطريقة موضوعية ومنظمة؛ لذا فإن مهارة اتخاذ القرار الرشيد تُعدُّ من أهم المهارات التي يجب تطويرها والاهتمام بها لتحقيق النجاح والاستمرارية في مختلف مجالات الحياة.
ويُعدُّ التفكير الإبداعي من أهم العوامل التي تجعل الإنسان يصل إلى حلول وبدائل مبتكرة من خلال توليد العديد من البدائل والاحتمالات والآثار المترتبة على اتخاذ القرار سواء من ناحية الإيجابيات التي تعزز اتخاذه، أو من ناحية السلبيات التي تجعله يتراجع في اتخاذ القرار من خلال تفكير منطقي مبني على التحليل للمواقف وتلك البدائل بعيدًا عن العشوائية والارتجالية.
فالقرار الرشيد له العديد من الإمكانات التي يجب أن يتحلى بها متخذ القرار من خلال اتخاذ القرار المنطقي المبني على الحقائق أو المعلومات المؤكدة أو العاطفة التي تؤثر على اتخاذ القرار الرشيد والصائب سواءً على مستوى الفرد أو المنظمة، بل إن التأني في اتخاذ القرار حتى تكتمل دوائر اتخاذه من العوامل المهمة في اتخاذ القرارات الرشيدة.
إن القرار الرشيد يرتبط مباشرة بعامل بناء بالمستقبل سواءً على مستوى الأفراد أو المنظمات، وبالتالي، يُعد اتخاذ هذا العامل من أهم العوامل التي تجب دراسته بشيء من التروي والحكمة، ومعرفة العوامل التي تشكل المستقبل والالتزامات التي تسعى المنظمات والأفراد إلى تحقيقها، ومن ذلك التنبؤ به وبالسيناريوهات التي يجب الأخذ بها، ودراسة وتحليل البيئة الداخلية، ومعرفة العوامل التي تشكل ركائز مهمة ورئيسة في اتخاذ قرار صائب وحكيم يطمئن الإنسان له، ويحقق الإيجابيات التي يسعى إليها من خلال قرار رشيد وبنّاء.
إن القرار الرشيد يحفظ المنظمة من تبديد الموارد والاستفادة منها وتنميتها حسب الإمكانات، وبالتالي توجيه تلك الموارد إلى بناء قرار لتعزيز المنظمة وتطوير إمكاناتها والقدرة التنافسية في السوق، والمساهمة في تحسين وكفاءة المنظمة وعملياتها التي تُبنى لتعزيز المنظمة وقدراتها.
فالله سبحانه تعالى إذا هيّأ للإنسان الرشد والفلاح، وفيهما خير كثير، فإنه يعينه على التوفيق واتخاذ القرارات الصائبة والرشيدة؛ لأنها طريق السداد والخير والصلاح الذي يعين الإنسان، وبلا شك، سيكون ذلك الإنسان ذا حظٍّ عظيم حينما يكون قراره رشيدًا بعد توفيق الله تعالى.
فالقرار الرشيد يتطلب الوعي بأهميته والآثار المترتبة عليه من جميع النواحي، وبأسلوب بنائه وتحقيقه سواء على المستوى البعيد أو القريب أو المتوسط، وتُعدُّ الشورى مع أصحاب العلاقة الذين يشاركون في بنائه ودراسة العوامل المؤثرة فيه من عوامل نجاحه، حتى يصل إلى قرار مؤثر وبنّاء يضيف للمنظمة جديدًا، وتكمن الاستفادة منه في تطوير إمكاناتها وتوظيفها على أكمل وجه.
أ.د. محمد بن حارب الدلبحي
عضو هيئة التدريس بجامعة شقراء
مقالات سابقة للكاتب