هناك فرقٌ شاسع بين من يعمل ليُرى، ومن يعمل ليترك أثرًا. فرقٌ لا تقيسه العيون ولا تحصيه الأرقام، بل تكشفه الأيام حين ينطفئ ضجيج التصفيق ويبقى ما صُنِع في صمت.
في زمنٍ أصبحت فيه القيمة تُقاس بعدد المتابعين، ويُوزَن النجاح بحجم التفاعل، صار كثيرٌ من الناس يربطون عطاءهم بما يتلقونه من تقدير. فإذا حضر المديح نشطوا، وإذا غاب فتروا، وكأن الأعمال لا تستحق أن تُنجز إلا إذا أحاطتها الأضواء. لكن الحياة تخبرنا بحقيقة أخرى؛ فالأشياء العظيمة لا تولد عادةً في ساحات التصفيق، بل في زوايا الصبر الخفية، حيث يعمل الإنسان لأنه يؤمن بما يفعل، لا لأنه ينتظر من يصفق له.
ولعل أكثر ما يؤلم الإنسان ليس أن يعمل دون تقدير، بل أن يرى التقدير يذهب أحيانًا إلى من لم يدفع الثمن الذي دفعه. أن يرى أصحاب الضجيج يحصدون ما زرعه أصحاب الصمت، وأن يتقدم من أتقنوا عرض أنفسهم على من أتقنوا بناء أنفسهم. عندها يتسلل السؤال إلى القلب: ما جدوى كل هذا العناء؟
ذلك سؤال إنساني صادق. فالإنسان بطبعه يحتاج إلى كلمة تقدير تواسي تعبه، وإلى نظرة امتنان تؤكد له أن جهده لم يذهب سدى. وليس عيبًا أن نفرح بالثناء، لكن الخطر يبدأ حين يتحول الثناء إلى غاية، لا إلى ثمرة. حين تصبح أعين الناس مرآتنا الوحيدة، فنكبر إذا مدحوا، ونتضاءل إذا صمتوا.
لقد أصبح انتظار الحافز عادةً معاصرة. نؤجل مشاريعنا حتى نشعر بالشغف، ونؤخر خطواتنا حتى يزورنا الإلهام، ونقنع أنفسنا أن البداية تحتاج إلى حالة نفسية مثالية. لكن الحقيقة التي يكتشفها أصحاب الإنجازات أن الطريق يسير في الاتجاه المعاكس؛ فالحافز لا يسبق العمل دائمًا، بل كثيرًا ما يولد منه. وما نظنه شرارة البداية يكون في أحيان كثيرة ثمرة للاستمرار لا سببًا له.
كم من كاتب جلس إلى مكتبه مثقلًا بالفتور، ثم وجد نفسه بعد صفحات قليلة يعيش نشوة الإبداع؟ وكم من طالب فتح كتابه بلا رغبة، فإذا بالمعرفة توقظ فيه لذة الاكتشاف؟ وكم من صاحب رسالة خرج إلى الناس متعبًا، فعاد وقلبه مفعم باليقين لأنه أدرك أن كلمة صادقة قد تغيّر حياة إنسان دون أن يعلم؟
إن العمل الحقيقي لا ينتظر التصفيق، كما أن الشمس لا تطلب الثناء لتشرق، والنهر لا ينتظر المديح ليواصل جريانه. الأشياء العظيمة في هذا الكون تؤدي رسالتها لأنها خُلقت لذلك، لا لأنها تنتظر من يلاحظها. وكذلك الإنسان حين يرتقي بمعناه؛ يعمل لأنه مؤمن برسالته، لا لأنه متعطش للإعجاب.
إن العطاء الصادق يشبه البذور المدفونة في أعماق التراب. لا يراها أحد وهي تتشقق، ولا يسمع أحد صوت نموها، ولا يصفق لها أحد وهي تقاوم ظلمة الأرض لتصل إلى الضوء. ومع ذلك تستمر. ثم يأتي يوم تصبح فيه شجرة باسقة يستظل بها الناس، وربما لا يعرفون شيئًا عن اليد التي غرستها. هكذا يكون الأثر الحقيقي؛ يولد في الخفاء ثم يعيش طويلًا في العلن.
والمفارقة أن أعظم ما تركه البشر في هذه الحياة لم يكن دائمًا ثمرة تصفيقٍ حاضر، بل ثمرة إيمانٍ عميق بما يفعلون. فالتصفيق ابن اللحظة، أما الأثر فابن الزمن. التصفيق يحتاج إلى جمهور، أما الأثر فيحتاج إلى حقيقة. ولهذا يخفت الأول سريعًا، بينما يواصل الثاني رحلته في صمت.
إن الإنسان حين يرتبط بالمعنى أكثر من ارتباطه بالمشاعر يصبح أكثر ثباتًا. فالمشاعر تتقلب، والحماسة ترتفع وتنخفض، أما الرسالة فتبقى. ومن جعل حياته قائمة على الرسالة استطاع أن يعمل في أيام النشاط وأيام الفتور، في لحظات الإقبال ولحظات التعب، لأنه يعرف أن قيمة الطريق لا تتوقف على حالته النفسية المؤقتة.
ليس السؤال إذن: هل يرانا الناس؟
بل السؤال: ماذا سيبقى عندما يكف الناس عن النظر؟
ماذا سيبقى عندما تنطفئ الأضواء، وتتغير الأسماء، ويأتي جيل لا يعرف من نحن؟
هناك فقط تظهر القيمة الحقيقية لكل ما فعلناه.
وفي النهاية، سيخفت التصفيق مهما علا، وستسكت الأصوات مهما ارتفعت، وستذبل الأضواء التي يسعى إليها الكثيرون. لكن ما زُرع بإخلاص سيبقى، وما صُنِع بصدق سيعيش، وما قُدِّم ابتغاء الخير سيجد طريقه إلى القلوب ولو بعد حين.
فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست في عدد من صفقوا له، بل في عدد الأرواح التي ألهمها، والقلوب التي أيقظها، والعقول التي فتح لها نافذة جديدة على الحياة.
وحين ينقضي العمر، لن يكون السؤال كم مرة هتف الناس بأسمائنا، بل ماذا تركنا خلفنا. فالأصوات مهما ارتفعت لا تلبث أن تخفت، أما الأعمال الصادقة فتمتلك قدرة عجيبة على البقاء.
فبين ضجيج التصفيق وخلود الأثر، يختار الحكماء الأثر.
حسن القحطاني
مقالات سابقة للكاتب