حالة الواتساب.. مرآة العقل وترجمة القلب

في زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، لم تعد “حالة الواتساب” مجرد مساحة صغيرة لعرض صورة، أو عبارة، أو مقطع قصير، بل تحولت إلى نافذةٍ يُطل منها الإنسان على الآخرين، ويكشف – بقصد أو دون قصد – شيئاً مما يدور في عقله ويسكن قلبه.

فالحالة التي لا تستغرق سوى ثوانٍ لمشاهدتها، قد تترك انطباعاً طويلاً عن صاحبها، وتعكس اهتماماته، وقِيَمَه، وأسلوب تفكيره، ونظرته للحياة. ولذلك أصبح كثير من الناس يكوّنون صورة أولية عن الشخص من خلال ما ينشره، أكثر مما يكوّنونها من خلال حديثه المباشر.

وعند تأمل ما يُنشر في بعض الحالات، نجد تفاوتاً كبيراً في المحتوى؛ فهناك من يملأ حالاته بأمور تافهة لا تحمل نفعاً حقيقياً له أو لمن يتابعه، فيستهلك الوقت والاهتمام في محتوى لا يُضيف معرفة ولا قيمة ولا أثراً إيجابياً. وفي المقابل، نجد من جعل حالته مساحة دائمة لبث المعاناة والمشكلات والشكوى، حتى أصبحت حالاته انعكاساً مستمراً للحُزن والضيق، وكأنها سجلٌ يومي للأزمات والأحزان.

وهناك فئة أخرى تنشر الأغاني والمقاطع الموسيقية بصورة متكررة دون أن تتوقف عند أثر ذلك أو مسؤوليته، بينما يتجه آخرون إلى نشر الشائعات أو العبارات التي تتضمن الغيبة واللمز والطعن في الناس أو التشكيك في نياتهم وذممهم، فيتحول فضاء التواصل إلى مساحة لنقل السلبية بدلاً من نشر الوعي والبناء.

ومن أكثر العبارات التي تتردد عند من يُنتقد محتواهم قولهم: “أنا حر أضيف ما أريد”، وهي عبارة صحيحة من حيث الأصل إذا تعلقت بالاختيارات الشخصية التي لا يتعدى أثرها إلى الآخرين، لكنها تصبح محل نظر عندما يتحول الأمر إلى محتوى يُنشر ويُعرض على الناس؛ فهناك فرق بين ما يحتفظ به الإنسان لنفسه، وبين ما يرسله إلى عشرات أو مئات المتابعين.

فالحرية الشخصية لا تعني غياب المسؤولية، كما أن النشر ليس فعلاً فردياً معزولاً، بل هو مشاركة وتأثير ورسالة تصل إلى الآخرين. وعندما يختار الإنسان أن يعرض فكرة، أو صورة، أو مقطعاً للناس، فإنه يصبح مسؤولاً عن أثر ما نشر، إيجاباً أو سلباً، تماماً كما يُسأل الكاتب عن مقاله، والمتحدث عن كلمته، والمعلم عن رسالته.

ومن حق المتابع كذلك أن يجد في الحالات ما يُثري فكره، أو أخلاقه، أو معرفته، أو دينه، أو حتى يبعث في نفسه التفاؤل والأمل. فالكثير من الناس يتصفحون الحالات يومياً، وقد تكون عبارة واحدة سبباً في تصحيح فكرة، أو تذكير بخير، أو نشر معرفة، أو إدخال سرور على قلب إنسان.

ولو أن كل صاحب علمٍ أو ثقافةٍ أو خبرةٍ في مجالٍ معين خصّص جزءاً من حالاته اليومية لنشر معلومةٍ نافعةٍ فيما يتقنه ويعرفه، لتحولت حالات الواتساب إلى منابر مصغرة للمعرفة، ولنهل الناس من علومٍ وخبراتٍ متنوعة، وازدادت ثقافتهم واتسعت مداركهم، وأصبحوا يتعلمون أشياء جديدة بصورةٍ تلقائية ومن غير أن يشعروا.

ولهذا فإن الكلمة المنشورة ليست أمراً عابراً كما يظن البعض، والصورة ليست مجرد لقطة، والمقطع ليس مجرد ثوانٍ تنقضي، بل قد تتحول جميعها إلى أثرٍ ممتد يبقى بعد حذفها، وقد تكون رصيداً حسناً لصاحبها أو عبئاً يلاحقه بسبب ما تركته من تأثير.

إن أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان عبر حالاته اليومية أن يجعلها مساحةً للنفع والبناء؛ بنشر آية من القرآن الكريم، أو حديث نبوي، أو فائدة علمية، أو تجربة ناجحة، أو مهارة عملية، أو كلمة ملهمة، أو مبادرة مجتمعية، أو قصة تحمل قيمة إنسانية. فمثل هذه المشاركات البسيطة قد تصنع أثراً لا يتوقعه صاحبها.

وللحد من ظاهرة المحتوى السلبي في الحالات، يمكن لكل شخص أن يتبنى قاعدة بسيطة قبل النشر: “هل فيما سأشارك فائدة أو قيمة أو أثر إيجابي؟”، كما يمكن استبدال المحتوى العشوائي بمحتوى هادف، وتنويع ما يُنشر بين المعرفة، والتحفيز، والخبرات النافعة، مع تجنب إعادة نشر كل ما يصل دون تحقق أو تفكير.

وفي النهاية، تبقى حالة الواتساب مرآة صغيرة تعكس صاحبها أكثر مما يظن، وما يكتبه الإنسان أو ينشره اليوم قد يكون عنواناً لشخصيته في أعين الآخرين؛ فليحرص أن تكون هذه النافذة مصدر نورٍ وفائدة وأثرٍ حسن، لا مجرد مساحة عابرة تمتلئ بما لا ينفع أو بما يترك أثراً سلبياً في النفوس والعقول.

كاتب العنزي

باحث دكتوراه في أصول التربية

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *