صناعةُ العجز في الإنسان!!

«ليس أخطر ما يُسلب من الإنسان حريته بل أن تُسلب شجاعته حتى يظن أن القيود التي صُنعت في عقله هي حدود الواقع نفسه»

ليست أخطر السجون تلك التي تُبنى من حجارة وحديد وإنما السجون التي تُشاد داخل العقول فقد يعيش الإنسان حرَّ الحركة طليق الخطى لكنه يظل أسير خوفٍ لم يره أحد ولم تفرضه عليه سلطة وإنما تسلل إلى نفسه حتى صار جزءًا من طريقته في التفكير ، وما إن يتحول الخوف من غريزةٍ تحفظ الإنسان عند الحاجة إلى أسلوب حياة حتى يبدأ في صناعة العجز فتخبو روح المبادرة وتتراجع الطموحات وتضيع الفرص ويغدو الإنسان حارسًا لأوهامٍ يظنها حقائق.

يولد الإنسان مزودًا بقدر كبير من الجرأة الفطرية وحب الاستكشاف والرغبة في خوض التجارب فالطفل لا يعرف معظم المخاوف التي تقيده في مراحل لاحقة من عمره بل يندفع إلى اكتشاف العالم بعفوية وثقة غير مدركٍ لحسابات التردد التي يتقنها الكبار لكن هذه الجرأة تبدأ بالتآكل تدريجيًا حين تتراكم حوله رسائل التخويف وتتكرر عبارات التحذير حتى يتعلم أن كل جديد يحمل خطرًا وأن السلامة تكمن في التراجع لا في المبادرة ومع مرور الزمن يتحول الخوف من وسيلة للحماية إلى قيدٍ يكبل الإرادة وتصبح المغامرة المحسوبة تهمة بينما يُمنح التردد ثوب الحكمة!!

وما يبدأ داخل الأسرة قد يمتد إلى المدرسة ثم إلى المجتمع ثم إلى بيئة العمل حتى يغدو ثقافة عامة تُعيد إنتاج الإنسان المتردد جيلًا بعد جيل فينشأ كثير من الناس وهم يظنون أن أفضل القرارات هي تلك التي لا تُتخذ وأن أكثر الطرق أمانًا هو البقاء في المكان نفسه وحين يلتفت أحدهم إلى عمره بعد سنوات يكتشف أن أكثر ما سرقه منه لم يكن الفشل بل الخوف من المحاولة.

ومن أبرز الأسباب التي تغرس هذا الشعور في النفس ما يُعرف بالحب المشروط حين يشعر الطفل أن القبول والثناء والاحتواء مرهونٌ بمدى خضوعه الكامل لتوقعات من حوله ومع تكرار هذا النمط يبدأ في ربط قيمته برضا الآخرين فيتردد قبل أن يُبادر ويتراجع قبل أن يُجرّب ويخشى الاختلاف خشية أن يفقد القبول أو يتعرض للوم وهكذا لا يعود الخوف نابعًا من الواقع بل من صورةٍ ذهنية صنعها في داخله حتى يصبح رضا الناس ميزانًا لقراراته ويغدو التميز عبئًا بدل أن يكون غاية.

ولم يقتصر الأمر على التربية وحدها فالمجتمع بدوره قد يسهم بقصد أو بغير قصد في ترسيخ هذه الثقافة فكم من إنسان حمل حلمًا مشروعًا ثم دفنه تحت ركام الكلمات المحبطة وكم من فكرةٍ واعدة ماتت قبل أن تولد لا لأنها كانت مستحيلة بل لأنها وُوجهت بسيلٍ من التهويل والتشكيك.

إن الخوف ينتقل بين الناس أحيانًا كما تنتقل العدوى حتى يصبح التردد سلوكًا جماعيًا لا مجرد حالة فردية.

ومن هنا نفهم لماذا يسعى بعض الناس إلى تثبيط غيرهم فليس كل من يحبطك يكرهك لكن بعضهم يرى في نجاحك تذكيرًا مؤلمًا بما عجز هو عن تحقيقه ولذلك يحاول أن يفسر عجزه بتقليل قيمة الإنجاز أو بإقناع الآخرين بأن الطريق مسدود وكما قال العرب قديمًا «من عجز عن الشيء استقبحه» وكما تروي الحكاية المشهورة عن الثعلب الذي فقد ذيله فأخذ يقنع بقية الثعالب بأن فقدان الذيل هو الكمال حتى لا يبقى وحده مختلفًا فإن بعض المحبطين لا يكتفون بالاستسلام بل يسعون إلى نشر الاستسلام لمن حولهم حتى يصبح العجز أمرًا مألوفًا ويغدو الطموح استثناءً.

وقد وصف القرآن الكريم هذا اللون من التثبيط وصفًا بليغًا في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ فالمشكلة ليست في النصيحة الصادقة التي تبصر الإنسان بالمخاطر الحقيقية وإنما في التثبيط الذي يصنع من كل فرصة تهديدًا ومن كل محاولة مشروع فشل قبل أن تبدأ.

ولهذا كان من الحكمة أن يميز الإنسان بين الناصح الأمين والمثبط المقنع ، فالناصح يريك العقبات لتستعد لها ويعينك على تجاوزها ، أما المثبط فلا يرى إلا المخاطر ولا يتحدث إلا بلغة الخوف حتى يخيل إليك أن النجاح استثناء وأن الفشل هو القاعدة وأن البقاء في مكانك هو القرار الأكثر عقلانية، بينما الحقيقة أن الحياة لا تمنح ثمارها إلا لمن يملك شجاعة الخطوة الأولى.

غير أن أخطر ما يفعله الخوف أنه لا يكتفي بتأجيل القرارات ، بل يعيد تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى العالم من حوله فمع كل فرصة يؤجلها وكل خطوة يتراجع عنها يزداد اقتناعًا بأنه غير قادر حتى يصبح العجز عادة نفسية قبل أن يكون واقعًا ، وهنا تبلغ منظومة الخوف غايتها إذ يتحول الإنسان من صانع لقراراته إلى أسيرٍ لتوقعاته السلبية فيرى العقبات أكبر من حقيقتها ويمنح الاحتمالات السيئة من اليقين ما لا يمنحه للفرص الواعدة.

ولكي ندرك أن كثيرًا من هذه القيود لا تعيش إلا في عقول أصحابها يكفي أن نتأمل مشهدًا يتكرر في حياة كثير من الناس شابٌ حمل حلمًا بمشروعٍ خاص وكان يملك من العلم والخبرة ما يؤهله لخوض التجربة لكنه ظل سنوات طويلة أسيرًا لعبارات سمعها حتى حفظها عن ظهر قلب ، السوق متراجع والوقت غير مناسب والمنافسة لا ترحم ورأس مالك سيضيع، ووظيفتك أكثر أمانًا فلا تغامر.
لم يكن يسمع هذه الكلمات مرة أو مرتين بل كانت تتردد على مسامعه حتى تحولت إلى قناعات راسخة فأصبح يخشى الفشل قبل أن يبدأ ويتراجع قبل أن يخطو الخطوة الأولى.

ومرت الأعوام حتى أدرك أن الزمن يمضي وأن كلفة البقاء في مكانه أصبحت أشد من كلفة المحاولة ، عندها استخار ربه وأخذ بالأسباب ثم توكل على الله وانطلق وما إن دخل ميدان التجربة حتى اكتشف حقيقة لم يكن يتوقعها ، فالصعوبات كانت موجودة لكنها لم تكن بذلك الحجم الذي رسمته له مخاوف الآخرين ، والعقبات كانت قابلة للتجاوز ، والنجاح لم يكن مستحيلًا كما صُوِّر له ، أما أكثر ما أدهشه فهو أن كثيرًا ممن بالغوا في تخويفه لم يكونوا أصحاب تجربة وإنما كانوا ينقلون إليه مخاوفهم الشخصية ويقدمونها في صورة حقائق لا تقبل النقاش.

وهذه القصة ليست استثناءً بل تتكرر بصور مختلفة مع من يؤجل الزواج خوفًا من المستقبل أو يتردد في إكمال دراسته أو يحجم عن إبداء رأيه خشية النقد أو يمتنع عن اغتنام فرصة خوفًا من الفشل، وفي كل مرة يكتشف أصحاب هذه التجارب أن الخطوة الأولى كانت أصعب من الطريق نفسه وأن كثيرًا من المخاوف التي أثقلت قلوبهم لم تكن سوى أوهام تضخمت بفعل التكرار لا بفعل الواقع.

وحين تستقر ثقافة الخوف في النفوس يصبح الهروب من الواقع أكثر إغراءً من مواجهته فيبحث الإنسان عن كل ما يخفف عنه ثقل المسؤولية ولو منحه راحة مؤقتة لا تغير من واقعه شيئًا ومن هنا لا تكمن المشكلة في الترفيه، فالترفيه حاجة إنسانية مشروعة وهو ضرورة لتجديد النشاط واستعادة التوازن وإنما تكمن المشكلة حين يتحول إلى ملاذ دائم يهرب إليه الإنسان كلما واجه تحديًا فيستبدل متعة الإنجاز بلذة النسيان ويؤثر الأحلام المؤقتة على العمل الحقيقي.

ولهذا قد تتحول بعض الأعمال الترفيهية أو العوالم الخيالية مهما كانت نيات صانعيها إلى وسيلة لتعميق الانفصال عن الواقع إذا أفرط الإنسان في الاحتماء بها فيعيش بطولاتٍ يتخيلها ، بينما يعجز عن صناعة إنجازٍ في حياته ، ويحقق انتصاراتٍ وهمية على الشاشات بينما تتراجع قدرته على مواجهة أبسط تحدياته اليومية ومع مرور الوقت يضعف الإيمان بقدرته على التغيير ويتحول التمني إلى بديل عن العمل، والانتظار إلى بديل عن المبادرة حتى يدخل في دائرة مغلقة يغذي فيها العجز مزيدًا من العجز ويصبح الوهم أكثر حضورًا في حياته من الواقع.

ولعل الحقيقة التي يغفل عنها كثير من الناس أن الواقع ليس بالسواد الذي تصوره المخاوف كما أنه ليس بالسهولة التي يتخيلها المتفائلون وإنما الحياة ميدان للأخذ بالأسباب والصبر على التحديات والتعلم من العثرات أما الذين يستسلمون للخوف قبل أن يخوضوا التجربة فإنهم يحكمون على أنفسهم بالهزيمة وهم لا يزالون يقفون عند خط البداية فيخسرون الفرصة لا لأنهم عجزوا عن النجاح بل لأنهم لم يمنحوا أنفسهم فرصة المحاولة.

غير أن التحرر من الخوف لا يعني أبدًا الدعوة إلى التهور، ولا إلى إلغاء غريزة أودعها الله في الإنسان لحماية نفسه ، فهناك خوف محمود يحمل الإنسان على التثبت، وحسن التخطيط، والأخذ بالأسباب، ويمنعه من الاستهانة بالعواقب، بل إن الخوف من الله تعالى من أشرف مقامات الإيمان، لأنه يزكي النفس ويقوم السلوك ، وإنما الحديث هنا عن الخوف المصطنع، ذلك الذي يتسلل إلى النفس حتى يشل الإرادة، ويصادر القرار، ويجعل الإنسان أسيرًا لاحتمالات لم تقع، وربما لن تقع أبدًا.

ومن أخطر ما يفعله هذا الخوف أنه لا يقيد الجسد، بل يقيد العقل ، فالقيود التي توضع في اليدين قد تكسرها الأيام، أما القيود التي تُزرع في الفكر فقد يعيش الإنسان عمره كله وهو يدافع عنها، ويظن أنها من طبائع الأشياء، حتى ينسى أنه هو من منحها هذه السلطة.

ولهذا كشف القرآن الكريم حقيقة هذا الأسلوب حين قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. فالشيطان لا يملك أن يمنع الإنسان من السعي، لكنه يستطيع أن يثقل قلبه بالخوف، ويعظم في عينه العقبات، حتى يبدو الطريق إلى النجاح أطول مما هو عليه، وتبدو الهزيمة أقرب من النصر.

ولأن الإسلام دين يبني الإنسان، لم يكتفِ بتشخيص الداء، بل دل على الدواء ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من كل ما يورث العجز والشلل النفسي، فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن…»، ثم وضع منهجًا عمليًا يصلح لكل زمان ومكان بقوله: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز». إنها كلمات قليلة، لكنها ترسم طريق الحياة كلها؛ رؤية واضحة، وعمل جاد، واستعانة بالله، ثم رفض للاستسلام مهما عظمت التحديات.

إن تأجيل القرارات المصيرية، خوفًا من الفشل، أو من كلام الناس، أو من المستقبل، ليس صورة من صور الحكمة، بل قد يكون استنزافًا صامتًا للعمر ، فالسنوات تمضي، والفرص تتبدل، والأعمار لا تنتظر حتى يكتمل اليقين ، وما أكثر الذين نظروا خلفهم بعد أعوام طويلة، فاكتشفوا أن أكثر ما ندموا عليه لم يكن قرارًا اتخذوه فأخطأوا فيه، بل قرارًا صحيحًا لم يتخذوه أصلًا.

ولقد صدق أبو القاسم الشابي حين قال:

ومن يتهيب صعود الجبال
يعش أبد الدهر بين الحفر

إن الإنسان لا يولد عاجزًا، وإنما قد يُربى على العجز، ولا يُخلق أسيرًا للخوف، وإنما قد يستسلم لمخاوف صُنعت في داخله حتى ظنها حقائق لا تقبل الجدل ، وما دام الخوف قد اكتُسب، فإنه يمكن تجاوزه، متى صحح الإنسان نظرته إلى نفسه، وأحسن ظنه بربه، وأخذ بالأسباب، وأدرك أن الفشل تجربة يتعلم منها، أما الاستسلام فهو الهزيمة الحقيقية.

تذكر دائمًا أن الحياة لا تمنح أجمل ثمارها للمترددين، ولا تفتح أبوابها لمن يقف طويلًا على عتبتها ، فالخطوة الأولى هي أصعب الخطوات، لكنها أيضًا الخطوة التي تصنع الفارق بين من يعيش أسير الأمنيات، ومن يصنع واقعه بيديه.

وليس أخطر ما يسرقه الخوف من الإنسان ماله، ولا منصبه، ولا حتى فرصه، بل يسرق عمره قبل أن يسرق نجاحه ، وحين يكتشف الحقيقة، يكون جزء كبير من الطريق قد مضى.

فلا تجعل الخوف يكتب قصة حياتك، ولا تسمح لأوهام الآخرين أن ترسم حدود مستقبلك ، واجعل ميزانك قول الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾، واعلم أن أكثر الأبواب التي تردد الناس طويلًا في طرقها… كانت مفتوحة منذ البداية، ولكنهم لم يملكوا شجاعة أن يمدوا أيديهم إليها.

نوار بن دهري

NawarDehri@gmail.com

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *