ما إن مرّت هذه الأهزوجة المكية القديمة في خاطري، وأنا أتأمل منشور مركاز الأحبة الثقافي بحي المسفلة، حتى شعرت أن الزمن قد عاد القهقرى، وأن الطفل الذي كان يركض في أزقة مكة لا يزال يسكن في داخلي؛ لم يكبر إلا في العمر، أما قلبه فما زال معلقًا بحجارة تلك الحارات، ورائحة البيوت، وأصوات الناس.
لم أحضر تلك الأمسية، لكن بعض المجالس يبلغك أثرها ولو كنت بعيدًا عنها، وبعض الصور لا تراها العين وحدها، بل يقرؤها القلب، ثم يمضي بها إلى سنوات ظننت أنها مضت، فإذا بها تقف أمامك بكل تفاصيلها.
أنا ابن جرول، وأعتز بذلك، ولكنني في الوقت نفسه ابن المسفلة، وابن الشبيكة، وابن المعابدة، وابن القرارة والهجلة، وابن كل شعب، ودحلة، وزقاق، وربع في مكة المكرمة.
ففي مكة لا تكبر الحارات لتفرّق أهلها، بل تكبر لتجمعهم. كانت الحارة عنوان البيت، لكنها لم تكن حدود الانتماء.
وكان المركاز أكثر من مجلس…
كان صحيفة الحي قبل الصحف، وإذاعة الأخبار قبل الإذاعات، ومدرسةً للأدب قبل أن نعرف الأندية الأدبية، ومنبرًا للحكمة قبل أن تُعقد المؤتمرات.
في المركاز يتعلم الصغير كيف يصغي قبل أن يتكلم، ويعرف أن للكبار حق التقدير، وأن للكلمة ميزانًا، وأن المجالس تُبنى بالأخلاق قبل المقاعد.
وكانت القهوة تُقدَّم في هدوء، والكلمة تُقال في وقار، والابتسامة تسبق السلام، فإذا اختلف اثنان أصلحهما كبير المجلس، وإذا حضر ضيف أصبح الجميع أهلًا له.
ولعل أجمل ما في تلك المراكيز أنها لم تكن تتكلّف الثقافة، بل كانت الثقافة تولد فيها بطبيعتها؛ فالشاعر لا يحتاج إلى منصة، والحكيم لا يحتاج إلى تعريف، وصاحب التجربة لا يحتاج إلى بطاقة تعريفية…
يكفي أن يجلس الناس، فيولد الحوار، وتنمو المعرفة، وتبقى المودة.
وحين رأيت صور مركاز الأحبة الثقافي، شعرت أن القائمين عليه لا يحيون مجلسًا فحسب، بل يحيون معنًى جميلًا كاد يختفي في زحام الحياة الحديثة؛ معنَى اللقاء، والإنصات، وحفظ الذاكرة، وربط الأجيال بعضها ببعض.
غير أن هذا الحنين لا يقف عند مكة، ولا ينبغي له أن يقف.
فهذا الوطن العظيم، المملكة العربية السعودية، يشبه بستانًا واسعًا، تختلف فيه الأزهار، ويجمعها ماء واحد.
في مكة المركاز…
وفي نجد الديوانية…
وفي مدن أخرى المجلس، أو الملتقى، أو المنتدى، أو الصالون الثقافي…
وفي بعض المناطق يُسمَّى المَلْفَى؛ لأنه المكان الذي يلفي إليه الناس، فيجدون القهوة، والكلمة الطيبة، والوجوه التي تشعرك أنك بين أهلك.
تتغير الأسماء، ولكن الروح واحدة.
وتختلف اللهجات، ولكن لغة القلوب لا تختلف.
لكل مدينة لونها، ولكل منطقة نكهتها، ولكل مجلس حكاياته، لكنها جميعًا تنتمي إلى مدرسة واحدة؛ مدرسة الإنسان السعودي الذي جعل من المجلس فضاءً للعلم، ومن القهوة عنوانًا للكرم، ومن الحوار طريقًا للمودة.
ولهذا فإن حب جرول لا ينتقص من حب الرياض، ولا يعارض عشق جدة، ولا يقلل من مكانة الأحساء، ولا من أصالة القصيم، ولا من جمال عسير، ولا من عبق المدينة المنورة، ولا من تاريخ تبوك، والجوف، وجازان، ونجران، والمنطقة الشرقية.
فالانتماء يبدأ من الحارة، ثم يكبر حتى يحتضن المدينة، ثم يتسع حتى يعانق الوطن كله.
ومن أحب جذوره، أحسن أن يحب أغصان الشجرة كلها.
ولذلك لم أجد في صور مركاز الأحبة مجرد مجلس ثقافي، بل رأيت صورةً مصغرةً لوطنٍ يعرف كيف يحفظ ذاكرته، ويصون تراثه، ويورث أبناءه قيمة اللقاء، واحترام الكبير، ومحبة الكلمة الجميلة.
فتحية صادقة لمركاز الأحبة الثقافي، ولمركز حي المسفلة، ولكل من يعيد الحياة إلى مجالس العلم، والأدب، والوفاء.
وتحية لكل مركاز، ولكل ديوانية، ولكل ملتقى، ولكل مجلس ثقافي في وطننا الكبير.
وأخيرًا، رسالة إلى عراب مركاز الأحبة الثقافي…
أخي الكبير، الشاعر الأديب الأريب، الأستاذ إبراهيم يحيى (أبو ليلى)…
والله لقد أحرجتني بجميل ظنك، وأسعدتني بكلمات خرجت من قلب عرف الأدب قبل أن يكتبه، وعاش الثقافة قبل أن يتحدث عنها.
وأنتم – يا أبا ليلى – لستم شاعرًا مجيدًا، وملقيًا آسرًا فحسب، بل أنتم من الذين جعلوا من مركاز الأحبة رسالةً ثقافيةً واجتماعية، تحيون بها المجالس المكية الأصيلة، وتجمعون فيها الأدباء، والشعراء، والمثقفين، والرواة، والشباب، على مائدة الكلمة الطيبة، حتى أصبح المركاز علامةً مضيئةً في المشهد الثقافي المكي، ومنارةً يقصدها محبو الأدب والثقافة من داخل مكة وخارجها.
وقد حظي المركاز باهتمام إعلامي وثقافي واسع، واستضاف أمسيات أدبية وشعرية، وأسهم في إحياء تقاليد المجالس الثقافية المكية بروح معاصرة.
ويشهد الله أنني سأتشرف بزيارة مركاز الأحبة، ولكن لا أجيء إليه متحدثًا ولا محاضرًا، وإنما آتي كما يأتي طالب العلم إلى شيوخه، ومحب الأدب إلى أهله.
فما زلت أرى نفسي أتتلمذ على أيدي القامات، وأتعلم من القدوات، وأستزيد من تجارب الرجال الذين يتركون أثرهم في الناس قبل أن يتركوا أسماءهم في الكتب.
وأسأل الله أن يجمعنا قريبًا في ذلك المركاز العامر، فنأنس بالوجوه الطيبة، ونرتوي من معين الأدب، ونغادر ونحن أغنى علمًا، وأصفى روحًا، وأوثق مودة.
وإحنا يا أهل مكة نقول:
الباب بابكم، والمركاز مركازكم، وإحنا نبغى منكم الدعوة الطيبة بأن يحفظ الله الجميع، ومنه سبحانه العون والسداد.
وكلُّه على الله، متوكلين عليه، ونسأله الستر والعافية.
الدكتور/ عبدالقادر تنكل أبو البراء
مقالات سابقة للكاتب