نساء الأمس… ودروسٌ للحاضر
عندما كانت الأسرة تُبنى بالقناعة والشراكة
لا يُقاس تقدم المجتمعات بما تملكه من مال فحسب، وإنما بما تحافظ عليه من قيم. فالأمم التي تنسى ماضيها تفقد جزءًا من هويتها، ومن لا يتعلم من تجارب أسلافه يعيد أخطاءهم بصورة مختلفة.
وليس المقصود من استحضار الماضي أن نعود إلى حياة المشقة، بل أن نستعيد القيم التي صنعت أسرةً متماسكة ومجتمعًا قويًا؛ قيم القناعة، والشراكة، وتحمل المسؤولية، والاحترام المتبادل بين الزوجين.
لقد عاشت المرأة في الجزيرة العربية قبل عصر النفط حياةً قاسية، لكنها كانت شريكةً حقيقية في بناء الأسرة. كانت تستيقظ قبل شروق الشمس، وتحلب الماشية، وتجلب الماء من الآبار، وتجمع الحطب، وتعد الطعام، وتغزل الصوف، وتنسج بيت الشعر، وتربي أبناءها على الصبر والقناعة، وتحفظ مال زوجها كما تحفظ بيتها وكرامتها.
وكان الزوج يخرج في طلب الرزق أيامًا، وربما أسابيع، فتدير الزوجة شؤون المنزل، وتحافظ على الأبناء، وتصون المال، وتتحمل المسؤولية بكل أمانة. وعند الشدائد، حفظ تاريخ الجزيرة العربية نماذج مشرِّفة لنساء وقفن مع رجالهن في الدفاع عن الديار، وأسهمن في إسعاف الجرحى، بل وحملن السلاح عند الضرورة دفاعًا عن النفس، والأهل، والقبيلة. لقد كانت المرأة يومها شريكةً في البناء، وشريكةً في التضحية.
ولم تكن مكانة المرأة تُقاس بما تملك من حُلِيٍّ أو كماليات، وإنما بما تتحلى به من حكمة، وصبر، وحسن تدبير، وإخلاص لأسرتها، واحترام لتعب زوجها.
واليوم، أنعم الله على بلادنا بخيرات عظيمة، وتيسرت سبل العيش، وهذه نعمة تستحق الشكر والمحافظة عليها. لكن من المؤلم أن تتحول النعمة في بعض البيوت إلى بابٍ للتنافس في المظاهر، والإسراف في الكماليات، حتى أصبحت المقارنات بالآخرين تستنزف دخول الأسر، وتثقل كاهل الأزواج بالديون والالتزامات.
وللإنصاف، فإن هذا السلوك لا يمثل جميع النساء، فما زالت بيننا زوجات وأمهات يضربن أروع الأمثلة في الحكمة، والقناعة، وحسن الإدارة، والوقوف إلى جانب أزواجهن. ولكن وجود بعض الممارسات الاستهلاكية يستحق وقفةً صادقة، لأن آثارها لا تقف عند المال، بل تمتد إلى استقرار الأسرة بأكملها.
فكم من أبٍ يعمل ليلًا ونهارًا ليؤمن لأسرته حياةً كريمة، ثم يعود إلى منزله مثقلًا بالقروض والالتزامات، يخفي آلامه خلف ابتسامته، ويكتم ضغوطه حتى تنهكه الأمراض. إن الأب ليس مصرفًا مفتوحًا، ولا آلةً لإنتاج المال، بل إنسان له قلبٌ يتعب، وجسدٌ يرهقه العمل، ونفسٌ تثقلها المسؤوليات.
ومع تزايد الضغوط المالية، وغياب ثقافة الاعتدال في بعض البيوت، تتزايد الخلافات الزوجية، وقد تنتهي بالطلاق، ويكون الأبناء هم أول الضحايا. فالطفل لا يحتاج إلى بيتٍ فاخر بقدر حاجته إلى بيتٍ مستقر، ولا إلى مظاهر البذخ بقدر حاجته إلى أمٍّ وأبٍ يعيشان في مودةٍ ورحمة.
إن الأسرة ليست مشروع رجل وحده، ولا مشروع امرأة وحدها، بل هي شراكة تقوم على التعاون، والرحمة، والوعي، وحسن إدارة الموارد. فالزوجة الحكيمة ليست من تكثر مطالبها، وإنما من تحفظ مال أسرتها، وتخفف عن زوجها، وتربي أبناءها على القناعة، كما فعلت كثير من نساء الأمس.
إننا لا ندعو إلى العودة إلى زمن الفقر، ولا إلى حرمان الأسرة من نعم الله، وإنما ندعو إلى استعادة القيم التي صنعت قوة مجتمعنا؛ قيم الاعتدال، وحسن التدبير، واحترام النعمة، وتقدير تعب الإنسان.
ما أجمل أن نستفيد من الماضي ونحن نصنع الحاضر. فالماضي ليس قصةً تُروى، بل مدرسةٌ نتعلم منها. وإذا كانت الحياة قد تغيرت، فإن القيم الصالحة لا تتغير.
فلنجعل بيوتنا مدارس للقناعة، ولنربِّ أبناءنا على أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يقدم. ولتكن الزوجة سندًا لزوجها، كما يكون الزوج سندًا لها، فبالتعاون تُبنى البيوت، وبالمحبة تدوم الأسر، وبالوعي نحمي أبناءنا من التفكك والضياع.
فمن لا ماضي له، لا حاضر له، ولا مستقبل له.
مقالات سابقة للكاتب