مُت فارغًا

الناس في العمل نوعان: الأول محفوف بالأنانية همه نجاح نفسه بأي ثمن، والثاني نوع يفكر في من هم حوله ويسعى لزرع الخير والنفع والمحبة مهما كلف الأمر، وحكمة “مت فارغاً” هي حكمة أو قصة ملهمة لكل إنسان يسعى ليكون من النوع الثاني.

فتابع معنا من خلال السطور التالية تلك الحكمة الرائدة في علوم التنمية البشرية والمهارات الذاتية:

سأل مدير أميركي زملاءه في اجتماع عمل: ما هي أثمن أرض في العالم؟ فبدأت تأتيه الإجابات، منهم من قال: إنها أرض الخليج الغنية بالنفط،  ومنهم من قال: إنها أراضي الألماس في أفريقيا، فقال المدير: إجاباتكم خاطئة، إنها المقبرة، وبدأ يشرح لهم أن المقابر فيها ملايين الناس ممن قضوا نحبهم وهم ما زالوا يحملون في جعبتهم الكثير من الأفكار الثمينة التي لم تر النور بعد، ولحسن الحظ كان أحد المستمعين بالصدفة المؤلف الأميركي الشاب تود هنري الذي أعجبته الفكرة كثيراً، فأطلق كتابه الشهير “مت فارغاً” أو”Die Empty” ، حيث وضع فيه أفكاراً عملية تساعد الفرد على أن يُفرغ يومياً ما في جعبته من طاقات وأفكار ومعلومات مفيدة له ولمجتمعه، والمتأمل لهذه الفكرة يجدها واقعية جداً، فكم من شخص ضليع في العلم أو في التجارب الحياتية يخطف الموت زهرة شبابه قبل أن يكرمنا بمخزونه الوفير؛ لأنه كان يؤجل عمل اليوم إلى الغد؟

وفي عالم الأعمال والحياة عموماً هناك من يطلق عليهم المرشدون أو أصحاب الحكمة أو التجارب العملية (Mentor) الذين يعكفون على تنوير الناس بأفكارهم وتجاربهم ومهاراتهم، فإذا تقاعس هذا الفرد عن دوره حرم غيره من خير كثير، ولو أن كل فرد في العالم قدم اليوم أفضل ما لديه بإتقان لصارت الحياة أجمل وأكثر نظاماً وانتشرت البهجة والسرور.

فمثلاً: عندما تتعطل مصالحنا في دائرة حكومية أو خاصة، أو نسقط في حفرة، أو يتأخر إقلاع طائرتنا لتسيب في إصلاح عطل فني سنجد أن شخصاً ما لم يؤدِّ عمل ذلك اليوم على أكمل وجه، والحياة رحلة عطاء، فحين تعطي صديقك أو زميلك من وقتك وجهدك ومشاعرك فأنت تساهم في تحسين بيئة العمل وراحة نفسك وغيرك، لكن الأهم أن يكون هذا العطاء مستمراً وليس مزاجياً، لذا قال مؤلف الكتاب تود هنري: لا تذهب إلى قبرك وأنت تحمل في داخلك أفضل ما لديك، اختر دائماً أن تموت فارغاً.

وليس شرطاً أن تطبع ما تكتب على شكل كتاب، ولكن لابد من كتابة ما تريد ليعلم به من بعدك، فذلك قمة العطاء والتفاني، وهذا المعنى اللطيف له أصل في ديننا، فهو نوع من الاستثمار في الآخرة؛ لأن الأفكار المفيدة جزء من العلم الذي ينتفع الناس به، وإذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، منها: علم ينتفع به، ومثله من كتم علماً، فاستثمر لآخرتك ومت فارغاً.

د. سعد مسعد السلمي
تعليم جدة

رئيس وحدة الإدارة المدرسية بمكتب النسيم بجدة

مقالات سابقة للكاتب

7 تعليق على “مُت فارغًا

متعب الصعيدي

مقال رائع
الله يعطيك العافية يا دكتور
ما ذكرته فعلاً شي مهم جداً وجعلني أجول بالذاكرة عبر التاريخ لأتذكر علماءنا في الطب والهنذسة والفلك أيام نهضة العالم الإسلامي كيف لو أنهم لم يدونوا ذلك العلم هل كان سينتقل للأجيال التي أتت من بعدهم ؟
وهل كان سيبقى معيناً تستقي منه جامعات الشرق والغرب العلوم إلى هذا الوقت رغم مرور مئات السنين؟
وعلى نطاق الأسرة لو أن كل أب نقل لإبنائه ومن حوله تجاربه في الحياة لاستفادوا وتعلموا وبدأوا من حيث أنتهى.
مقال جميل وملهم جداً .. شكراً لك

ابراهيم الزهراني

مقال رائع .. كم في المقابر من أفكار دفنت مع أصحابها

م عبود السلمي

مقال مهم ل د.سعد ، يتناول حكمة” مت فارغا”، و هو يحض على ان يكون الفرد فاعلا في خدمة المجتمع، و الاقربون اولى بالمعروف، فكم من افكار و اراء و مقترحات واعمال قيٌمة تموت مع اصحابها دون تطبيقها او على الاقل تدوينها و نشرها لتكون نبراسا للاجيال والجهات المعنية، وتكتب في ميزان حسناته.
نفعنا الله واياكم و نفع بنا بما يعود بالخير على وطننا و مجتمعنا..
🌷🌷🌷

عبدالله الصحفي

كم دفنا بالمقابر من أفكارنا؟؟؟؟!!!!مقال راااااائع

أبو سعود

تعمد بعض الشركات الكبيرة مثل أرامكو إلى مثل ما دعوت إليه يا دكتور فهناك برامج تبادل الخبرات بين الخبراء وبين المهندسين والفنيين الجدد ويكون لكل واحد من الجدد mentor متفرغ ويكون غالبا من كبار السن الذين شارفوا على التقاعد
وهناك برنامج best Practice لتبادل أفضل الممارسات الناجحة بين مهندسي المنشآت المختلفة في الشركة للإستفادة من تجارب الآخرين والبدء من حيث انتهوا وتفادي تكرار الممارسات التي تؤدي إلى نتائج فاشلة.
بل حتى الأخطاء التي تقع في منشأة من منشآت الشركة يتم عمل تقرير مفصل عنه ويعمم على جميع الإدارات (من دون ذكر اسم الإدارة التي وقع فيها الحادث) ليطلع عليه منسوبو تلك الإدارات لغرض العلم وعدم الوقوع في نفس الخطأ وتصحيح الممارسات المشابهة لديها قبل أن تقع الكارثة.
ونتمنى أن نرى اليوم الذي يتم فيه انتشار هذه الفكرة على نطاق واسع وفي كل مجالات العمل في مملكتنا الحبيبة. وشكراً لك على طرح هذا الموضوع المهم.

الانصاري

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدكتور الفاضل سعد السلمي تطرقت بمقالك الى نقاط مهمه جدا ومنها تبادل المعرفه ونقل الخبرات فما ذكرته يطبق في بعض الشركات العملاقه كما ذكره الاخ العزيز ابوسعود ولاهميته انشئت بعض الشركات مجالس لتبادل المعرفه والخبرات لادراكها باهميتها في انجاز اعمالها والارتقاء بالمستوى التشغيلي والانتاج
فيتم تبادل المعرفه واستخلاصها من خلال تقارير وسجلات الصيانه والتشغيل ومن خلال التفاعل المباشر بين الموظفين وكذالك تبادل المعلومات مع الشركات الاخري ليستفيد منها المهندسون الميدانيين بشكل كبير وكذالك الفنيين ويؤكد الخبراء بان ذالك يوفر ما نسبته ٤٠/ من وقت الموظف من تكرار اعمال غير ضروريه وتساهم بشكل مباشر في الحفاظ على سلامه الموظف والمنشاءه والبيئه وكذالك توفر المراجع العلميه للموظفين من خلال الموقع الالكتروني للشركه بطريقه سهله وميسره هذا على مستوى الشركات
ونتمنى ان تكون مجالسنا الخاصه والعامه بها الكثير من الفائده والتوجيه من خلال تجارب الاخرين والاستفاده من اهل العلم والفكر
فاتذكر حينما تقدمت بالاستقاله من الشركه التى اعمل بها طلب من رئيسي كشرط ودي لقبول الاستقاله واقامه حفل توديع ان اقوم بمشاركه الزملاء بكل المعلومات والخبرات التى اكتسبتها خلال المسيره العمليه لعل ذالك ينطبق عليها مقالتك الرائعه مت فارغا كانت استقيل فارغا
دكتورنا العزيز لمثلك نحتاج فلا تبخل علينا بما علمك به الله نفعنا الله بعلمك وحفظك انت ومن تحب

ابراهيم مهنا

شكرا د سعد
ماأجمل العطاء والتفاني في البذل
مقال بفكر نوعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *